| العــــــام باحة شاسعة يحدها الأفق، لتسع آراءكم وأطروحاتكم وحواراتكم، التي لم تسعفها المنتديات الأخرى .. |
25-08-2006, 07:49 AM
|
#1 (permalink)
| | صديق ماسي مميز
تاريخ التسجيل: Nov 2005 الدولة: في ربوع الرسالة الوارفة
المشاركات: 9,972
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 84 في 83 موضوع
| طفولة قلب ( مذكرات الشيخ سلمان العودة)
((1)) الحلقة الاولى طفولة قلب
د. سلمان بن فهد العودة 15/10/1425
28/11/2004
خمسة وأربعون عاماً مضت ...
والمشهد؛ هو قرية هادئة
وطفل صغير
يحمل ثلاث سنوات من عمره!
قلبه –أيضاً- صغير مليء بالبراءة والابتهاج
وطن النجوم أنا هنا
صدقاً أتذكر من أنا؟!
ألمحت في الماضي البعيد
فتى غريراً أرعنا
جزلان يمرح في الحقول
كما النسيم مدندنا
يتسلق الأشجار
لا ضجراً يحس ولا ونا
ويعود بالأغصان يبريها
سيوفاً أو قنى
أنا ذلك الولد الذي
دنياي كانت ها هنا
صبي يقفز مع الصغار, وأحياناً يزاحم الكبار, يبحث عن رغبات, وأمنيات تنساب في ينابيع طفولته الطريّة!
أقصى ما يتمنى؛ حلوى يلعقها, أو قطعة بسكويت يتملاها قبل أن يقضمها, أما الكاكاو, فلم يكن له وجود في عالمه!!
وحب, وحنان من تلك الأم الرؤوم.
وهناك الفوز الأعظم؛ حين يرتمي في حضنها الدافئ قبل إخوته؛ ليحتله بالكامل, وينتشي بابتسامة عذبة, حينما تتمتم بأدعية لا يفهمها؛ ولكنه واثق أنها حتماً تدعو له بخير ,وتدبر أموره على خير.
في الخامسة؛ انتبه إلى أن هناك رجلاً في الدار يجب أن يحوز على إعجابه ورضاه ويثبت أمامه رجولته!
وكم كان يعجبه أن يبدو كوالده رجلاً!
هو رجل بسن الخامسة!
غترته الطويلة تصل أجزاؤها إلى الكعبين فيما يشبه الثوب, ومحاولات للتسلل إلى (الدكان) حيث الرجال, والحلوى, والحب.
حلم بدأ بأمه, ثم أبيه, وينمو, ينمو حلمه, ويكبر, ويكبر معه تماماً , كما تلقي بحجر في بحيرة, فتلاحظ الدوائر تحيط بمكان سقوطه, صغيرة, ثم تكبر تباعاً, وربما تحور الحلم, أو تبلور, أو تغير حسب مراحل حياته.
جدران بيتهم الصغير لم تعد حدوداً لذاك الحلم فقط!
نما وخرج إلى الشارع
فالرفاق
فالحارة
ثم المدرسة
فالمركز
اتسع وتشعب, كشعاع الشمس.
عندما قطع جزءاً من مرحلته الابتدائية؛ كان حلمه أن يصبح أحد إخوته طبيباً, ولكن ليس هو, فهو يكره رؤية الدم!!
ولماذا طبيب؟!
لأن والدته كانت تعاني من (القيلون ) ـ حسب تعبيرها! ـ الذي يرهقها؛ فيعز عليه ألمها.
مَن حوله يثني على لغته, وحفظه, ولكن الأفكار كانت عاجزة عن فهم ما هية قدراته.
إيحاء الفكرة اخترق حلمه؛ فشعر بالتميز, وانطلق نحو الأفق؛ فذاك الإحساس المشع لا يجب أن يُهمل, وهو دافع لإلهاب المخيال اليافع تجاه المستقبل الذي تخبؤه الأيام الحبلى.
أخذ ينهل من العلم؛ فقد أوتي نهماً للقراءة!!
بدأ يظهر, ويكبر
والأب خير معين
إذا لم يقف في طريق خطواته, ولم يحاول تحجيم أحلامه إطلاقاً , ما دام يسير في الطريق الصحيح, لم يكن والده متعلماً بما يكفي, لكن حكمة الأيام والتجارب كانت مدرسة طالما نهل منها وعانى مرارتها, ولا زال يذكره وهو يتلو القرآن من مصحفه الكبير بتحزين وتخشع.
بدأ عقله يسابق جسده في النمو ؛ لدرجة أنه أغفل أو اغتال لهو الطفولة البريء, إلى جد الرجولة الجريء!!
قرأ, وعرف, واتسعت ثقافته!
وتظل بؤرة الانطلاق ذاك الطفل الذي أراد أن يصبح رجلاً موزون الكلمة, عالي الهمة...
وكلما نضج, علم أن ثمت هدفاً لم يبلغه بعد.
لم يلزم نفسه بأكبر من طاقتها ...
حدد أهدافه...
فمن لا يعرف إلى أين يتجه؛ قد تنتهي به خطواته إلى مالا يحب أن يكون, ولا يستمتع بما وصل إليه.
مؤمن بأن الفشل ليس نهاية المطاف
والخطأ ليس ذريعة للتقوقع ...
المهم أن لا تسلب ثقتك !
تشرب مبدأ : حافظ على توازنك في جميع أمورك.
رسم صورة في ذهنه لمستقبل مشرق بدرجة كافية,صورة تزوده بالأمل في لحظته الحاضرة ...
طاقة إيجابية؛ تدفعه ليحقق الحلم, وتشعره بأهليته.
إذاً فليثبت ذاته بجدارة!
النزعة الكمالية لم تكن أبداً مطلبه؛ لأنه يعلم أن العيش بتلك الطريقة سيثقل كاهله, ويبطئ خطاه, ويضيع وقته, ويشعره –أيضاً- بأنه سيموت عندما يرتكب خطأ ما.
لذلك قرر:
أنه اجتماعي بطبعه, كما اكتشف وأدرك, فليحكم شبكة علاقاته مع الآخرين فهو يشعر بالانجذاب إليهم بقدر ما يشعرون هم بذلك نحوه!
كما قرر أن الكمال بالجماعة لا الفرد
وأفضل اللحظات تلك التي ننسجم فيها مع الآخرين, ونتعاون معهم
فهنا القبول والرضا منهم!
بل –وأيضاً- كسب ثقتهم, بشكل كاف؛ ليحبوه ويسمحوا له بأن يحبهم.
كان واضحاً مع نفسه, ومتقبلاً لها؛ لذلك استخدم معاييره الشخصية, ومعايير المجتمع؛ ليحقق الامتياز الذي سعى نحوه.
إذن: كان ذلك الطفل يحلم بالحلوى "المصّاصة" مثل التي مع ابن العمدة ...
فمع التقدم تحولت الحلوى إلى ميكرفون؛ يلتقط كلماته؛ ليصبها في آذان مستمعيه!
ينظر إلى ماضيه وحاضره ومستقبله؛ فيرى أنه في مرحلة الحضانة؛ لم يعلم أنه سيكون ذلك الصبي في الابتدائية, وفي المتوسطة, لم يعلم أن ذاك الفتى سيكون فتى النشاط والتوهج في الثانوية, وإن كان يحلم بأن يكون.
والآن ذلك الشاب لم يكن يعلم أنه سيكون كما هو اليوم
وإن كان يتوقع موقعاً مشابهاً , إن حالفه الحظ, وتكللت مساعيه بالنجاح.
وبرغم كل شيء؛ فإنه لا يعلم أين سيكون في مرحلته المقبلة ...
كل ما يعلمه أنه يرجو أن يأخذ ربه بيده إلى طريق الخير!!
هو هو لا يزال ذلك الطفل الذي يشعر بالبراءة في أعماقه, ويسعد بصفاء النفس مع الآخرين, ويتتلمذ بطواعية تجاه الدروس العفوية الممتعة التي تزخر بها الحياة من حوله ويتلقنها من الصغار في عفويتهم , ومن الكبار في ميادين تجربتهم, ومن القراءة في حقول المعرفة.
أجمل ما يحس به, أنه يعرف جهله, فلا يغره إطراء المادحين, ويعرف صدق مقصده؛فيؤمن أن الله اللطيف سيرعاه, ويمنحه القوة والصبر على عنت الحياة و تجاوز الأحجار التي يضعها من لا يفرحون بالنجاح.
من تجربته الصغيرة آمن بطفولة القلب, ولم يؤمن بطفولة العقل!
سلمان بن فهد العودة
19 شعبان 1425هـ
__________________ الحمد لله رب العالمين ..
حمدا دائما كثيرا طيبا مباركا فيه ..
وكما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ..
وكما تحب ربنا وترضى ..
وبعد الرضا ودائما وابدا .. |
| |
25-08-2006, 07:51 AM
|
#2 (permalink)
| | صديق ماسي مميز
تاريخ التسجيل: Nov 2005 الدولة: في ربوع الرسالة الوارفة
المشاركات: 9,972
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 84 في 83 موضوع
|
((2))
الحلقة الثانية بيت من الطين
د. سلمان بن فهد العودة 11/2/1426
21/03/2005
تتسلل النفس بعيداً قريباً، تحاول استعادة تلك الأطلال الساكنة، ويتقافز القلب كأيل صغير، ويلجم القلم أمام هديل المشاعر التي ينفثها ذلك الماضي الجميل.
هنا يد صغيرة تدفع باباً من الخشب القديم، لتدلف إلى دهليز ضيق، ذي جدران من الطين المعجون بالقش، وفي نهاية الرواق غرفة تمثل (الوجاهة) حيث (القهوة) –كذاك تسمى- التي يجلس فيها الرجال والضيوف، وتوقد فيها النار، وتصطف في زاويتها أباريق الشاي والقهوة.
وإلى جانبها فناء ينتهي بعريش لا زال يذكر أنهم يسمونه (المقدمة) حيث هو في واجهة الدار.
وأمامك (القبة) ذات الامتداد المستطيل، وهي تشبه استخدامات (الصالة) اليوم، حيث تفتح عليها غرف عديدة، فهذه صفة المخزن، وهذه صفة النوم.. وما أحلى ذكرياتها، خاصة في الشتاء، إذ ينام الأبوان مع الأطفال فيها طلباً للدفاء، وحيث تمسح الأم عليهم بيدها الحانية وتعوذهم، وتترنم بصوت حلو.. ليس يدري أهي تتلو القرآن .. أم تتغنى بأبيات من الشعر؟ يكفي أنه صوت الأم، ويكفي أن روحها الطيبة تملأ المكان!
تمنيت لو أفتديك بعمري *** وأهدي إليك المنى والورود
حضنتك طفلاً يلوذ بصدري *** حنوت عليك بقلب الودود
وقبالة هذه الغرف سلالم تسمى (الدرج)، طراز قديم اندثر، ثم عاد، يتصل بالروشن، الغرفة العلوية الوحيدة، التي يبدو أنها في نظر الأبوين تحتفظ بعبق الزوجية، وذكريات الأيام الأولى، ولا أدل من حزمة الملابس المعلقة بالوتد، حيث كان الطفل يخفي عن أهله بعض أشيائه الأثيرة!
وخلف الدار فناء آخر غير منتظم الأحوال، وكأنه بناء قديم، فرشت أرضه بروث البهائم، وهو متنفس للعب الصبية، وتقاذفهم بهذا الزبل، حتى الباب كانت خلفيته تشبه سبورة يكتب عليها إخوانه الكبار دروساً وهمية، حيث تخيلوا أنفسهم في مدرسة، وسجلوا أسماء الطلاب، وأجروا لهم اختبارات، وكونوا عن كل شخصية منهم انطباعاً خاصاً، كما لو كان أحد أبناء الجيران!
إنها صورة تقريبية لمعظم بيوت القرية، بل القرى.
أطلال بائدة
وأيام خوال
وأناس راحلون
إنها ليست مجرد صورة عابرة، بل روابط عاطفية تصل الحاضر بالماضي، تتطور الدنيا، وتنمو الحياة، وتنمو معها معالمنا الجسدية، وعلاقاتنا الاجتماعية.
الماء من تلك السواقي له مذاق خاص، والرمال الممتدة كانت مسرحاً للخيال، ومراحاً للنفس، والقمر الجميل كان يشهد ليالي السحر التي تجمع الصغار والكبار، وأهل القرية كأنهم أسرة واحدة، وإشراقة الفجر كانت إضاءة أمل، يدفئ شعاع شمسها برد الحياة.
الزرع حيث هو العمل المثمر لسكان القرية، أو الخب، حيث المكان المنبسط المحاط بتلال الرمل...
النخلات الباسقة تقف في شموخ، وذاك الرجل في أعلى النخلة يخرف التمر والرطب.. كم كنت أحك رأسي حين أرى علوه.. وأتساءل: كيف استطاع الوصول إلى هناك؟!
هل يا ترى كانت الحياة حقاً بسيطة وعفوية، أو حلاوة الذكرى تزين في عيوننا الماضي فنستلذ به؟
أو كان ذلك القلب البريء قادراً على تحويل ما يدخل إليه من مشاهد ومواقف إلى بهجة وفرح؟!
كقبضة اليد قلبي في مساحته *** لكنه ساحة كبر لأحبابي
يضم دنيا عجيب أمرها .. وبها *** لهوي وحزني وأفراحي وأوصابي
وتبقى العلاقة الإنسانية النبيلة هي الخليط المتين الذي يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، في سمو وترفع، في الوصال والفراق.
تلك الأزقة الضيقة المتعرجة تشهد ضجيج الأطفال وصخبهم، ومعابثاتهم الدائمة حتى وقت الظهيرة حيث يخلد الكبار إلى القيلولة، والغبار المتصاعد من تلك الأقدام الصغيرة يعبر عن الحياة والحركة.
المسجد قلب نابض للقرية، خاصة وأن (البصر) –اسم قريته- تحتضن المسجد الجامع الوحيد من بين القرى المجاورة، حيث تلقى خطبة مقروءة من ديوان متكامل قديم، وإذا كانت الخطبة الأولى دورية، فإن أختها تعاد أسبوعياً، فلا غرابة أن حفظ الكثير من كلماتها ودعواتها، وإن لم يفقه معناها بعد!
وهي مزية كبيرة في حمى التنافس القروي، ومصدر فخر في مجالس المنافرة، التي تذكرك بالطبيعة العربية، حيث لكل قبيلة شاعر، وهذا بعينه كان قائماً، فالشاعر (ابن جربوع) كان لسان أهل القرية في مجريات حياتهم، وشعره العذب الفطري المناسب يردد في مجالس النساء ومحافل الرجال ويحفظه بعض الصبية.
إنه تعبير أخاذ عن الفقر والجوع، وسهولة العلاقة بين الناس، والنكتة الطائرة، وسرعة البديهة، وطهارة الجيب.
وتلك المقطوعات السريعة كانت تدويناً للأحداث والأشخاص، حيث الناس في القرية يهتمون بالتفاصيل ولا ينسونها، فمحدودية المكان، وترابط السكان، والفراغ، والسمر، يعني أن زواج فلانة، وطلاق الأخرى، ووقوع أحد المراهقين في فخ التدخين، وتخلف زميله عن صلاة الفجر، والسفر والقفول ولو إلى (بريدة) التي كانوا يقصدونها بواسطة (البريد) يومياً.. هو حدث ذو أهمية، ولا بد أن يتم عرضه في برامج المساء! لكن قد يعز على من يسمع لتلك الأحاديث أن يسمع أسماء كانت اعتاد سماعها، فكل فرد أو أسره لها (لقب) تعير به، حل محل الاسم الأصلي، حتى نسخه فلا يعرف إلا في الوثائق الرسمية، أو في عدد الإمام الذي يتفقد الجماعة بعد صلاة الفجر يومياً.
هذه الألقاب تعبيراً غير رشيد عن الحميمية والقرب والمعرفة المباشرة ربما كانت
أو كانت للتمييز بين من يحملون ذات الاسم والعائلة.
أما نصيب الصغار، حيث لا تلفزة، ولا أفلام كرتون، فهو قصص السعالي والجن والعفاريت، والقطط السود المسكونة، و (الأقراص الحامية) التي تهدد بها الأمهات صبيانها، فهي تنزل من السماء على رأس من يكذب أو يخالف كلام والديه!
أهداف نبيلة، ووسائل مغرقة في الخطأ!
إنه تهديد يرتعد له قلب الطفل حين يتخيل عقله الطفولي أنه مستهدف بهذا الجرم الهائل الحارق، وربما اكتشف مع الوقت ألا حقيقة لهذا فلم يعد يعبأ بالتخويف.
تلك الأيام الغوامض من سني الطفولة هي فترة تأسيس الشخصية، وتحديد اتجاه الطفل نحو ذاته، وثقته بكفاءته، وتحديد حجم التفاعل بينه وبين أفراد أسرته ومجتمعه الصغير.
وثمت هنا نموذج مصغر للآباء في أولئك الأطفال يجتمعون حول التراب المبلول بالماء، ويسمونه (حكا)، لأنهم يشكلونه ويعبثون به أثناء سرد الحكايات، وأيديهم الصغيرة تبني منه بيوتاً وأسواراً، وترسم لوحات، وتعبد طرقاً ربما لم تراها بعد!
ولكنها مستمدة من المصدر ذاته، الجن والعفاريت وال*****ات المتجنسه!
وتشهد القرية حركة غير عادية، إنها مكينة لها صوت عال متواصل، وطقطقات متناغمة لاستخراج الماء من البئر، وصوتها المسموع في القرية كلها لهو دليل على التطور الذي تشهده البلدة!
البصر، والمنسي، والنخلات، والعاقول، والغماس.. مجموعة قرى، أو خبوب متجاورة متكاملة، وحين تتزوج البنت من قرية أخرى يكون محزناً للأم أن البنت ستكون بعيده عنها، وإن كانت الذاكرة تختزن سفر الأزواج بمفردهم سنين طويلة إلى الشام أو أنحاء الجزيرة.
(عبد الله) صاحب مزرعة في (المنسي)، وتجارة في البصر، وهو يبيع الثياب والطعام للبادية بالآجل نظير زيادة في الثمن ولأنه تزوج بأكثر من امرأة ظل هو الفرع النشط في ذرية (دخيل)، وبينما كان مستقر ذريته في البصر وما جاورها، كان آخرون في الأحساء، وليس واضح ما إذا كان أصلهم هنا كما يرجح كبار السن، أو كان في الأحساء، ثم نزحوا إلى هنا.
وكونهم من (آل دخيل) من (الجبور) من (بني خالد) ليس دليلاً على أنهم من القصيم أو من الأحساء، فالعائلات الخالدية منتشرة هنا وهناك.
والدكان الوحيد في القرية يملكه ابنه (فهد) الذي عاش مرارة اليتم والعيلة والترحال، حتى استقر به المقام في قريته التي ولد فيها، وتزوج من أسرة اللحيدان، حيث كانت تعرف بـ (نورة الهول).
هذا أبي، وتلك أمي.
رب أرحمهما كما ربياني صغيرا.
هذا بيت من الطين
وذاك بيت من الطين
هذا بناه الأب
وذاك بناه الرب
هذا من البشر
وذاك من المدر
ذاك معجون بنفحة من القش
وذاك معجون بنفخة من الروح.
سلمان بن فهد العودة
21/12/1245
__________________ الحمد لله رب العالمين ..
حمدا دائما كثيرا طيبا مباركا فيه ..
وكما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ..
وكما تحب ربنا وترضى ..
وبعد الرضا ودائما وابدا .. |
| |
25-08-2006, 07:52 AM
|
#3 (permalink)
| | صديق ماسي مميز
تاريخ التسجيل: Nov 2005 الدولة: في ربوع الرسالة الوارفة
المشاركات: 9,972
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 84 في 83 موضوع
|
((3))
الحلقة الثالثة بـوابة الحـــياة
د. سلمان بن فهد العودة 14/3/1426
23/04/2005
بعيداً عن قلم الراوي وومضات المربي؛ هناك موقع على خط الخطر، السماء ملبدة بالغيوم، والأرض ملأى بمناقع السيل، والمنازل في القرية مهددة بالسقوط.
عنوان مكتوب في الذاكرة، وذكرى منقوشة في القلب، سماها الكبار ( سنة الغرقة )!
كيف لا؛ وقد اجتاحت المنطقة أمطار غزيرة، بما فيها تلك القرية الوادعة النائمة في أحضان التلال الرملية.
عام ( 1376هـ ) وكأي مطر في بدايته ينتشي الأهالي, ويحدثون أنفسهم بالخصب والماء والمرعى.
ومع استمراريته وكثافته ترتفع وتيرة المخاوف، وها هي بيوت القرية الطينية المتواضعة وسط هذا الطوفان الهادر تبدو أشبه بمربعات كرتونية، ينغمر أسُها بالماء، وتمطر سقوفها طيناً ووحلا، وتتساقط أطرافها، ويُهرع ساكنوها إلى الأماكن المرتفعة الجرداء بصحبة أهليهم وصبيانهم؛ طلباً للنجاة.
ها هي ( جَرَدَةُ فاطمة ) كذا تسمى تلك المنطقة الخالية من الأبنية وسط القطين، تغصّ بالشُّرْع المنصوبة على ضفاف السيول، في قلب القرية السابحة في الماء!
وماذا عسى أن يصنع شراع واهٍ أمام زخات المطر وعصفات الريح ؟!
ولكنها محاولة الإنسان؛ ليتصبّر ويتعبّر حتى تنجلي.
ومن بين النسوة الهاجعات في الليل البارد المطير كانت تلك الفتاة الثلاثينية المثقلة بالحمل يحيط بها صبيتها الصغار، وأمواج المياه يعلوها موج الطلق العاتي, الذي ضربها في هذه الليلة وجاء معه بالسهاد والألم والأنين المكتوم بين الضلوع.
إِذَا مَا تَكوَّرتَ في دَاخِلِي *** وَأثقلتَ جسماً خفيفاً خَلِي
وَصرتَ تلَمْلِمُ روحَ الحياةِ *** وَلمْ يَبْقَ شَيءٌ سِوى الْآهِ لِي
عَرَفْتُ بِأَنِّي نَدِيُم السُّهَادِ *** وَلَيْلِي طَوِيلٌ وَلَنْ يَنْجَلِي
ذَبُلْتُ ذُبُولَ غُصُونِ الْخَرِيفِ *** وَمَنْ تَكُ مِثْلِي وَلَمْ تَذْبُلِ
هدهدت صبيتها الصغار بصبر حتى ناموا .. لكن كيف لها أن تلد هنا بين الأشرعة التي هي أشبه بالعراء ؟!
ساعة الصفر أخذتها إلى ( قابلة ) القرية التي اعتادت أن تولّد النساء بيديها - الأداة الأولى منذ أيام حواء - فمضت إليها بخطى مثقلة، لتتم الولادة في البيت المهدد بالسقوط، فهذا أرحم بها من أن يسمع الرجال زفراتها وأناتها الموجوعة.
مرت الدقائق كأثقل ما تكون، واقترب خروج الطفل من ظلماته الثلاث، دفعة من إيمان، وبقية من صبر، وإسناد معنوي من القابلة، ودعم حسي خفيف، وهبطت أقدام الجنين أولاً قبل رأسه، خلافاً للمعتاد ..!
يجب أن نظل واقفين ما ترددت الروح بين جنباتنا !
ولن نستطيع ذلك إن أفلتت أيدينا من حبل الله !
فرحة الأم بالخلاص وسلامة المولود لا يعدلها شيء؛ إنها هبة الحياة من الله الرحيم الكريم.
لا يزال هناك في الشراع صغار هاجعون, يحوم حولهم قلب الأم، وقلبها دليلها، لقد استيقظ ( عبد الله ) ابن الخامسة, وبدأ يبحث عن أمه، القلب الصغير يبحث عن القلب الكبير، وها هي قد عادت للحظتها بمولود تحمله بين ذراعيها ليستأثر باهتمامها بعض الوقت, لقد أصبح بالنسبة لإخوته الصغار بمثابة دمية، أما بالنسبة للأبوين فهو استمرار للوجود، وسبب جديد للسعادة، وبذرة لاحتضان المستقبل.
أهو ( سلمان ) كما يقول أبوه, تيمناً بسلمان الفارسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, الذي كان الإمام يتلو سيرته وخبره في المسجد ؟
أم ( سليمان ) كما تقوله الأم جرياً على العادة في تسمية المولود باسم جدِّه ، فقد كان هذا اسم أبيها ؟
أياً كان فقد مضت القسمة عادلة، فكانت الشهرة للاسم الأول، وغالب الأوراق الثبوتية للثاني !
سبقه أخوان، وأختان.
ولحقه أخ وأخت.
وكبرى الأخوات تزوجت في السابعة عشرة من عمرها, يوم كان هو في الثالثة، وكم عانى وتألم لفراقها.
يذكر أنها أصيبت بمرض في عينها شخصته أمُّه بأنه ( أم ذيل ) ، وعلاجه الكي، والحجبة ( الحمية ) أربعين يوماً لا تأكل إلا طعاماً خاصاً تصنعه أمها من الحنطة, وحده فقط كان يشاركها ذلك الطعام، ويستمتع بحنانها قبل طعامها الذي تؤثره به, ولم يفته أن يوظف هذه الحادثة المرسومة الراسخة ليدعو على من حرمه من أخته الحبيبة بالزواج والانتقال إلى قرية أخرى بأن تصيبه ( أم زيل ) وأن يقعد أربعين يوماً في الحجبة! دون أن يدرك من المقصود بهذه الدعوة البريئة !
وهو ينتظر عودتها كل يوم ، حتى أيقن أنها لن تعود, وقتما يشاء, وبدأ يفهم حركة الانتقال تلك عندما لحظ الزيارات الدورية بين الفتاة وأهلها .. وشاهد دموع الأم، وسمع قصائدها الوجدانية تشتكي ألم الفراق، وتحن إلى أيام القرب والوصال.
إنه يرقب مجيئها بحزن وتطلع، وحين يراها يسرع الخطى ليرتمي في حضنها مسائلاً :
كم ستبقى ؟!
وإذْ لم يرقه الجواب فالاحتجاج أن يطلق صوتاً أشبه بصفارة الإنذار ، أن يبكي ويبكي بأقصى ما يستطيع.
وذات يوم أبصر صديقتها التي تشبهها في القوام وتكبرها في السن على مقربة من الباب؛ فهرول إليها ضاحكاً فرحاً يحيط ساقيها بذراعيه، وهو يظنها أخته، ويهتف بلثغة ظاهرة ( جئت يا حُمَيِّلَة ! ).
ست سنوات قضاها في محضنه الأول، قبل أن يدخل المدرسة، عند الآخرين كانت حافلة بالعفوية، وعنده كانت حافلة بالإثارة والأحداث الكبار، وكأن المتنبي عناه حين يقول :
وتكبر في عين ( الصغير ) صغارها *** وتصغر في عين العظيم العظائم !
طفولة بريئة ، تتعلم بصمت وتستمتع بالحياة دون تردد؛ فالألعاب البريئة الساذجة، والمعابثات الصغيرة المتكررة هي أنسه وأنس لذاته، وحولها تدور تطلعاتهم ومطامحهم.
ذاك الرجل المسن يبيع المفرقعات، فليشتر منه واحدة
لكن كيف وهو لا يطيق أن يفرقعها؟
ولا أن يسمع صوتها ؟
إذاً فليوكل إلى أحد أصدقائه أن يقوم بالمهمة الأولى، بينما أَوْكَلَ إلى آخر أن يسد أذنيه ! لتصبح تلك طرفة ساخرة يتندر بها عليه إخوته كلما تشاجروا، فضلاً عن لثغته الظاهرة بحرف السين التي ربما سالت دموعه لأنّ أحداً حاكاه وهو ينطقها؛ فاعتبر هذا مساساً بشخصيته !
أتراه لو كان يدري أن نصف قدرات الإنسان العقلية تتكون في تلك المرحلة المبكرة، وقبل دخول المدرسة، أكان يتصومع ويتقوقع على كل معين ينهل منه ؟
أو كانت تلك الروح ترفرف على جداول المعرفة ؟
وتلك المصابيح الخافتة بداخله تتوهج نورا ؟
وتلك الهمة المحدودة تنتفض وتربو ؟
ما له ولهذا !
أليس التعلم والتكون العقلي يتحقق بمعايشة الحياة الصافية، في أجوائها الهادئة المستقرة ؟
أليس من الحكمة أن تنطلق الطفولة على سجيتها تحت سمع الوالدين وبصرهم وتوجيههم ؟
أليس الإبداع يبدأ من جرأة الصغار على التفكير والسؤال والتصرف دون أن تدمر قواهم الغضة لغة الأمر والنهي والتحقير والتسفيه ؟
إن مدرسة الحياة هي أعظم جامعة يتلقى فيها المنتمون أفضل الدروس لكن بعد أن يدخلوا الاختبار !
ذلكم الطفل الرضيع, دخل الحياة من باب لم يكن يترقبه عنده إلا رجل ينظر من صائر الباب بوجل؛ ليطمئن بالسلامة والعافية على زوجه التي ولدت لتوّها.
فيا ترى من سينتظره في أبواب الحياة الأخرى؟!
(وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا)
سلمان بن فهد العودة
الثلاثاء، 21 محرم 1426هـ
__________________ الحمد لله رب العالمين ..
حمدا دائما كثيرا طيبا مباركا فيه ..
وكما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ..
وكما تحب ربنا وترضى ..
وبعد الرضا ودائما وابدا .. |
| |
25-08-2006, 07:54 AM
|
#4 (permalink)
| | صديق ماسي مميز
تاريخ التسجيل: Nov 2005 الدولة: في ربوع الرسالة الوارفة
المشاركات: 9,972
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 84 في 83 موضوع
|
((4))
الحلقة الرابعة الحـبيب الأول
د. سلمان بن فهد العودة 2/4/1426
10/05/2005
الجو صائف, والرذاذ الخفيف يزيد روعة السحر جمالاً، العينان الصغيرتان لم تستغرقا في النوم هذه الليلة كالمعتاد، والمخيّلة الطفولية تعتصر زوايا النفس، وتحفز ذاكرة حديثة العهد لترسم أمانيها الحلوة، كشاشة عرض معلقة في سقف الصُفّة، وهي تحاول بخبرتها المحدودة أن تستقرئ أحداث هذا اليوم.
الأذن المصغية باهتمام تعمل كلاقط حساس، تسمع صوت المؤذن ينادي لصلاة الفجر؛ ليصب في عمق النفس إيماناً متجدداً، يتغلب على الرغبة ( الصلاة خير من النوم ).
حضور نفسي مكثف في انتظار اليوم الأول في مدرسة القرية، واليدان تتحسسان كيساً من القماش بات تلك الليلة إلى جوار الصبي في فراشه البسيط.
حان الوقت ليتسلّم مفاتيح الإثارة، وليشاهد بعينيه الأحداث التي ينقلها أخواه عن المدرسة وشخصياتها ونظامها...
اليوم تبدأ مسيرة الصحو المبكر، والدعوات الحانية، وقبلات التوديع...
اليوم سوف يقعد على ( كرسي ) الدراسة، وسيكون أمامه ( ماصة )، يشاركه فيها ثلاثة من نظرائه كما وصف له إخوته، وها هو الثوب الجديد المعد لهذه المناسبة، والطاقية المزركشة التي تضفي على المناسبة بعداً جديداً.
هرول إلى باب الغرفة الذي لم يغلق لعطب ألم به، وكانت الأم قادمة لإيقاظهم، فاصطدمت بصغيرها، وتعجبت من استيقاظه المبكر... كيف لو علمت أنه لم ينم إلا قليلا!
قد لا يدرك الأبوان قدرات طفلهما الجسمية والعقلية والانفعالية.
إنه يحمل الكثير من الدوافع، والاستعدادات الفطرية للمعرفة.
وقد لا يحسان بحركة النمو المتسارعة بانسجام، كذبذبات في متوالية بديعة منتظمة.
هذا الصبي، وهو يغالب أشواقه إلى المدرسة، وينسى مؤقتاً مخاوفه، يدلف إلى مرحلة الاستقلال الشخصي، حيث له ولكل طفل سمة وميزة تنطبع في أذهان الآخرين حول شخصيته.
فهذا طفل عبقري ..
وهذا مشاغب..
وهذا هادئ.
وهذا طفل اسفنجة.
وهذا تواق للمعرفة.
عاد الأب من صلاة الفجر، وتحلّقت الأسرة الصغيرة حول موقد النار، الكبار يشربون القهوة، والصغار يشربون الشاي، ولا شيء يسرق من الصبي فرحته، ولسان حاله يقول : ليس من الضروري أن تفهم كل شيء، حتى تكون قادراً على استخدام كل شيء!
يمضي الإخوة الثلاثة إلى مدرسة القرية في تآلف ظاهر، وصباح القرية ليس كصباح المدن، فنسمات الهواء تحرك عسبان النخيل وأغصان الشجر، والطيور تبث ألحانها الجميلة، وخرير المياه في السواقي يجدد معنى الحياة.
وعند باب المدرسة تلاشت الجرأة، وانكمشت الفرحة، وبدأت مرحلة القلق والتوتر والحذر.
أمسك بيد أخيه الأكبر بحركة تلقائية يحتمي به في التجاء ظاهر، وامتصاص للأمان، وتعزيز للثقة بالنفس، الذي كلما ارتفع ارتفع معه الأداء.
وأحس الأخ الأكبر بمسؤوليته وأخلص في القيام بها...
" افعل كل شيء بصورة لائقة ومنظمة "، " خلّك رجل!"
تلك العبارة كانت أقوى وأقصى مساندة لأخيه الصغير.
تتردد الخطوات، وتتعثر الأرجل في الأرض الرملية المحاطة بالعديد من الحجرات الطينية الصغيرة المنتظمة التي تسمى المدرسة!
إنه عالم جديد... طالما كان يرقبه من الخارج دون أن يتمكن من الولوج إليه، وها هو الآن في طريقه إلى أحد تلك الفصول، وسط حشد غير مألوف من أبناء القرية..
لماذا أشعر بالخوف؟ وها قد حانت اللحظة الموعودة.
كلا إنه ليس خوفاً، بل شعور آخر مختلف لا يملك التعبير عنه.
حاول التواصل مع نفسه بإشارات غير ملموسة، وتذكر أن هذا المكان الذي يحتويه الآن طالما احتواه قلبه وخياله... هنا البداية الثانية لتحصيل الزاد المعرفي والروحي.
أحب المدرسة، وأحب معلميه، كما أحب ( مطوّع ) القرية التقي الطيب، وإمام مسجدها الجامع ( عبد الله الناصر البرادي ) الذي صبر على نزق الطفولة، وعلمه كما علم الأطفال الآخرين قصار السور في المسجد، وكان ينفث عليه، ويتمتم بآيات القرآن كلما ألمت بالطفل وعكة.
وحين بكى الصبي من ألم شوكة انكسرت في رجله، ورفض الحضور لدى الشيخ للرقية، اكتفى الشيخ بالقراءة على كسرة من الملح، وأمر الأم أن تفرك بها الموضع حتى ينام، وحين استيقظ وجد الشوكة خارج الجلد!
المطوع له ميزة المساكنة والاتصال العائلي والتأثير التعبدي والوزن الاجتماعي، بينما لأساتذة المدرسة ميزة الحداثة والغربة، والنظام التعليمي الذي كان رمز مسايرة الحياة، وكان هو الطريق إلى المدينة.
لا يعكر صفاء علاقته بمحاضن التعليم سوى شوبٍ من قسوة صارت جزءاً من العملية، ضعفت فيها أساليب الإغراء والجذب والتشجيع، وتضخمت ذراع الضرب والتأديب والتأنيب، وأغفلت مسالك التربية بالرفق واللين والرحمة، وقوّت النصوص الضعيفة، حتى الصغار صاروا يسمعون ( ولا ترفع سوطك عنهم أدباً ) ( علقوا السوط حيث يراه أهل البيت)!
هذه القسوة جزء من التعليم في الأرياف العربية، من الكتاتيب إلى المدارس الرسمية، إلى المجالس التعليمية حيث ( العصا لمن أطاع أو عصا!).
وها هو يمضي سنته الأولى في مدرسة القرية، وهو يتطلع – ضمن الأسرة – إلى مغادرة القرية صوب المدينة حيث الحياة – في نظرهم – أجمل وأوسع، وحيث وعود الأب التي تكررت، وتبرم الطفل بالتأجيل الذي حال بينه وبين أمنية داعبت أحلامه.. أن يرى نفسه من سكان المدينة، وأن يعود إلى القرية يوماً زائراً؛ ليسلم على صبيانها ويتجول في أزقتها!
لقد تكامل بناء البيت الطيني الجديد في المدينة، وبدأ التهيؤ النفسي لدى الكبار، والصبر النافد لدى الصغار.
شهور مضت على السنة الثانية الابتدائية, جرت بعدها النقلة إلى (بريدة) وتحديداً (حي الموطأ)، والمنزل الجديد المبني من طابقين، والجيرة الجديدة، ومدرسة ( الحويزة ) بأساتذتها الفضلاء، الذين صدق عليهم، وعلى من سبقهم حديث الشاعر ( محمود غنيم ) :
حنانيكَ إني قد بُليتُ بصبيةٍ *** أروحُ وأغدو كلَ يومٍ عليهمُ
صغارٌ نربيهم بملءِ عقولهم *** ونبنيهمُ .. لكننا نَتَهدمُ
لأوشكُ أن أرتدَّ طفلا؛ لطولِ ما *** أمثِّل دَورَ الطفلِ بين يديهمُ
فصولٌ بدأناها، وسوف نعيدُها *** دواليْكَ، واللحنُ المكرَّرُ يُسأمُ
فمن كان يرثي قلبُه لمعذب *** فأجدَرُ شخصٍ بالرثاءِ المعلمُ
على كتفيه يبلغُ المجدَ غيرُه *** فما هو إلا للتّسلّقِ سُلمُ
فهم كما يحب الجاحظ أن يقول : معلمو صبيان، تصابوا حتى تعلمنا، وتصاغروا حتى كبرنا، فكبروا في أعيننا.
ورضي الله عن الإمام الشافعي إذ يقول : الحر من راعى وداد لحظة، أو تمسك بمن أفاده لفظة.
تلك الخطى التي مشاها، وكتبت عليه بين البيت والمدرسة، وإن بدت كليلة، يلحقها التعثر والملال، بيد أنها كانت الانبعاث الأول البدائي نحو الفهم والعلم.
وكان هذا القلب، وكان هذا الحب، للمنزل الأول، مهما نقلت فؤادك من الهوى.
سلمان بن فهد العودة
18/2/1426هـ
بريدة
__________________ الحمد لله رب العالمين ..
حمدا دائما كثيرا طيبا مباركا فيه ..
وكما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ..
وكما تحب ربنا وترضى ..
وبعد الرضا ودائما وابدا .. |
| |
25-08-2006, 07:56 AM
|
#5 (permalink)
| | صديق ماسي مميز
تاريخ التسجيل: Nov 2005 الدولة: في ربوع الرسالة الوارفة
المشاركات: 9,972
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 84 في 83 موضوع
|
((5))
الحلقة الخامسة النفود
د. سلمان بن فهد العودة 14/5/1426
21/06/2005
هذا هو اسم الحي المطل على مدينة بريدة من الغرب، حين دخلوه أول مرة، والذي كان جسراً إلى أساليب وأدوات جديدة للمعرفة، يظفر بها طفل في الثامنة من عمره، وصار الحي يعرف بعدُ باسم (حي الهلال)، حين استأجرت جمعية الهلال أحد بيوته.
البيت الطيني الجديد يحضن طفولة هؤلاء الصبية، وشبيبة آخرين إلى ما بعد الزواج والاستقلال.
إنه قصر فخم في نظر ابن القرية، يتكون من طابقين وعريش، يشبه عريش المدرسة التي درس فيها في قريته سنة وبعض أخرى، وتفتح على العريش العديد من الغرفات التي صبغت بعدُ بالجص والإسمنت لتبدو شيئاً يدعو للفخر والتيه لدى هؤلاء الصغار.
الفناء واسع تشترك معهم في سكناه نخلات تؤكد عمق الارتباط بالقرية، وهو ميدان فسيح يلعب فيه هؤلاء الصبية بجلد دائري الشكل، تتقاذفه الأيدي أحياناً، والأرجل أحياناً أخرى، ويسمونه ( الكرة ) وهو يختلف عن النسخة المطورة التي عرفها الصبيان بعدُ... وقد يشاركهم الجيران أو القرابة بعيداً عن عين الأب اللطيف المهيب الذي يدري، ويتظاهر بأنه لا يدري، ولكنه يتساءل مبتسماً عن سبب تكسر المصابيح الكهربائية، مرة بعد مرة!
إنها حيرة الأب الحريص أمام قضية جديدة تطرأ على حياة الأسرة، دون أن يتخذ بشأنها قراراً حاسماً، للتردد بين ما يألفه ويرتاح إليه، وبين ما يحس بأنه قدر من متغيرات الحياة, وضريبة لا بد منها لاختيار المدينة، فهو بحاجة إلى فترة من الأناة والصمت، لتفهم الموقف وتحديد رؤية واضحة عما يتعين عليه فعله، وهذا الأمر تكرر حين شغب الأطفال بحضور إحدى المباريات الكبيرة، ولعلها كانت المرة الأولى والأخيرة.
العلاقة مع الجيران تنمو بسرعة، والشارع يشهد صداقات جديدة, وعلاقات متدفقة, وفريقاً رياضياً يتشكل، وينشأ معه صراع على ( الرئاسة ) حيث تبدو هذه إحدى اللوازم المصاحبة للحياة حتى في أصغر حلقاتها.
هذه هي زعامات الأحياء، صغار عفاريت، يستولون على مشهد الشارع ويصنعون عنتريات، هي ( أباضات ) الشام، و ( فتوات ) مصر كما يحكيها أهل الحواري.
والمرأة تظل هي الأكثر اندماجاً والأسرع في التعارف وبناء الروابط.
لم تكن النقلة مقصورة على حركة الحارة فحسب، فها هو الأب ينظم وجوده المالي بافتتاح المتجر الجديد في المركز التجاري لبريدة ( الجردة )، ليحقق من خلاله ذاته الفطرية، ويجلب القوت لولده، ويؤمِّن بإذن ربه مستقبل أسرته، وإلى ذلك كان يقوم بالمزاد على الفواكه والخضار التي يجلبها الفلاحون من حقولهم.
لم يساور الأب قلق من النجاح، فهو يملك مثابرة جيدة وصبراً وثقة، وكما يقول اليابانيون: (المثابرة تَفُلُّ الحديد).
الصبية يتبعون أباهم ويندمجون معه في جهده العظيم، يلتزمون بالذهاب إلى الدكان في المساء، ليتعلموا كيف يكون التعامل، ومع أن النفس أحياناً لا تندفع للذهاب، إلا أنها حين تكون في الميدان يتملكها شعور مفعم بالحماسة والرغبة في التفوق، والأب يوزع المهام بذكاء فطري.
وفي الإجازات يذهبون صباحاً أيضاً في وجبة إضافية للعمل، تتخللها فرص للتفسّح والمتعة.
أولئك المسنون في ( مشالحهم = عباءاتهم ) القديمة وفرشهم البالية، هم قلب الحياة الاقتصادية النابض، ومستودع التجارب والمعارف والحكم.
كانت تلك فترة مليئة بالأحداث الصغيرة عند الكبار، الكبيرة عند الصغار، وكانت مدرسة حقيقية للتدرب على بناء العلاقة الودّية مع الآخرين من أهل المدينة، ومن الطارئين عليها من الأرياف والبوادي، خاصة وأن صاحب المحل كريم النفس، طيب الخلق، دائم البسمة، حتى حينما يتندّر عليه جيرانه، وكثيراً ما يشركه في غدائه وعشائه من تخلّفوا عن القفول إلى أهليهم، أو فاتهم ( البريد ) ولا غرو أن استطاع أن يستقطب حوله العديد من أهل الأرياف الذين من عادتهم أن يتعاملوا بمجموعهم مع صاحب محل واحد.
لقد كان قدر من تجارته بالدَّيْن، فلكل قرية دفتر ( يومية ), ولكل زبون حساب خاص.
ولعل معظم هذه الديون ظل إلى اليوم حبيس الدفاتر العتيقة، بخط الصبية، أو بخط الأب الذي كان يكتب حروفاً تعلمها عن كبر, فلا يكاد يفك خطه أحدٌ سواه!
لا زال الصبي يذكر ذلك الرجل الذي اغتنم خلو الدكان من سيده, ودلف بلهجة الحازم الجازم قائلاً بالأمر:
زن كذا من القهوة, وكذا من الهيل, و... و...
بينما كان يحاول أن يحمل على ظهره كيساً من الأرز, ثم آخر من السكر, أعطني كرتون شاي, ليملأ مركبته بما يحتاجه منزل مقفر مليء بالعيال، قائلاً بغير انتظار: سجلها على الحساب.
ويركب سيارته ويمضي تاركاً البائع الصغير والحيرة في عينيه, يقلب كفيه, ويخاطب نفسه؛ أي حساب؟
ومن تكون؟
أي حرج صنعته لي لو علم أبي بما جرى؟! وأدرك أنني لم أكن كفئاً للمسؤولية.
لم يكن متشجعاً على الرفض, فالبيع بالدين طريقة دارجة في هذا المحل, وأيضاً فهو لا يزال حزيناً لذلك الرجل الذي عيره وآذاه؛ لأنه رفض أن يبيعه إلا بالنقد.
ومر الموقف بسلام, وفات الأب أن يلحظ غياب بعض السلع دون تفسير على الورق, أو في الدرج الذي تحفظ فيه النقود.
هو بياع, لكنه طفل يقع له أن يختلس ـ كإخوته ـ شيئاً زهيداً يشتري به عصير التوت من (مصلح) أو الحلوى, أو الألعاب, أو بعض كتيبات المغامرات الطفولية التي تعرف عليها, ولكن ليس كل مرة تسلم الجرة, فها هو الوالد يضع يده على جيبه ليكتشف الاختلاس, ويعيده إلى محلِّه بلباقة, باعثاً برسالة تربوية عبر الأم, مفادها أنه يتفهم أن المال بقي في جيب الولد نسياناً وعفواً من غير قصد.
إلى جنب الدكان كانت (المكتبة العلمية) التي يديرها الشيخ (عبد الرحمن الجطيلي) - رحمه الله - وكانت إحدى أهم المغريات التي تحفز الجماعة إلى المتجر, حيث يتسللون إليها لواذاً، هرباً من حرارة الجو؛ فقد كان فيها مراوح كهربائيةلم تتوفر في الدكان بعد, وكان الشاي يسكب للرواد بين وقت وآخر, إضافة إلى تصفح الجرائد المحلية, والمجلات, وبعض القصص والروايات.
لقد وجد الصبي نفسه بعد زمن ملمّاً بالعديد من أسماء الكتب والمجلات والروايات, ومتصلاً بشخصيات بارزة في عالم الأدب والشعر, بفضل تلك الزيارات المنتظمة للمكتبة.
لقد فتحت النقلة إلى المدينة آفاقاً جديدة, شكلت حياة الصبي, وحددت وجهته, وزودته ببعض التجارب, وطورت لديه بعض الملكات.
صداقات الحي ظلت متصلة معه دون انقطاع, فالشيخ (صالح إبراهيم الشيبان) - رحمه الله- زميل الدراسة الأولى, والذي قضى في حادث سيارة, كان هو الفتى الذي يسكن في الحي ذاته, والصديقان يتقاسمان السكن والأسرة والحياة، والأمهات ثم القراءة والدعوة بعدُ، في ودٍّ لم يقطعه الموت.
والجلوس في المتجر كان تدريباً لطبيعة تأنس بالناس, وتسعد بصحبتهم ومحادثتهم, وتتعاطى معهم على تفاوت السن والثقافة.
والمكتبة العامة كانت نافذة إلى عالم القراءة التي غدت عشقه الأكبر, ولا غرو أن صار بعدُ, يحمل كتبه الخاصة إلى السوق يقرؤها وقت الفراغ, ويحفظ ما راق له من مقطوعات الشعر العربي, مما لا يزال يحفظه ويردده إلى اليوم.
لقد كان الصبي ثم الفتى يتنقل بين محلين متجاورين, لمنهومين لا يشبعان، دكان (طالب المال)، ودكان (طالب العلم).
وإن كان آثر حين صار الاختيار إليه الآخرَ على الأول، وصار لا يحسد صاحب المال، ولكنه يغبط طالب العلم.
سلمان بن فهد العودة
بريدة
16/3/1426
__________________ الحمد لله رب العالمين ..
حمدا دائما كثيرا طيبا مباركا فيه ..
وكما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ..
وكما تحب ربنا وترضى ..
وبعد الرضا ودائما وابدا .. |
| |
25-08-2006, 07:57 AM
|
#6 (permalink)
| | صديق ماسي مميز
تاريخ التسجيل: Nov 2005 الدولة: في ربوع الرسالة الوارفة
المشاركات: 9,972
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 84 في 83 موضوع
|
((6))
الحلقة السادسة ما بين (الحويزّة) و (الأندلس)
د. سلمان بن فهد العودة 14/6/1426
20/07/2005
وافدٌ جديد على الصف الثاني بمدرسة "الحويزة" الابتدائية، التي تقع في مبنى مستأجر وسط النخيل أسفل الوادي في منطقة تسمى : "البوطة" وتشتهر بأنها زراعية.
لا تختلف كثيراً عن مدرسته الأولى، سوى أنها أوسع فناءً، وأكثر فصولاً.
وافد جديد مفعم بالحيوية، التي لم تغادر إطاره الجسدي, يلفه الحياء رغماً عنه حين يجد نفسه في مجموعة جديدة من التلاميذ, إنهم أبناء المدينة, وهو ابن القرية, أو ما يسمونه بـ "الخَبّ"!
وما أدراك ما المدينة في قلب هذا الصبي؟
إن العالم كله والمتعة بحذافيرها تكمن في تلك البقعة من الأرض!
ومع ذلك؛ فهو واثق بقدرته الذاتية, أو ما يسميه الكبار بـ"الحكمة", ولأن تكون واثقاً خير من أن تصبح نادماً.
فلا بأس أن يظل وحيداً في فسحته لفترة قصيرة, ولو شعر بعارض من الخوف؛ لأن ذلك مقدمة للاحتكاك الهادئ والتعارف الرشيد.
أول تعارف كان مع زميله المجاور الذي يتقاسم معه الطاولة ذاتها "م. العايد".
ثم يشده الناجحون فيتحرك قلبه تجاه ذاك الطالب المتفوق (ع. هـ) الذي كان يطمع أن يكون رفيق عمره, ويشعر معه بانسجام شديد, لكن يبدو أنه من طرف واحد؛ وأن الآخر لا يشعر بالإحساس ذاته, ولقد ظل يسأل عنه حتى بعد الجامعة!
لا زال يذكر صوته الطفولي وصورته وقسماته حين طلب إليه أستاذ الأناشيد أن يتغنى بمقطوعة من المقرر, وقام الطفل بخفّة وحيوية يجوب الفصل، ويترنم بالأبيات بصوته العذب، وصاحبنا يغبطه على هذه الحظوة وهذه الشجاعة!
احتراف اللباقة، والاحتكاك بجيران الصف والحي جعله يغوص في العلاقات الاجتماعية, ويذوب في تيارها, حتى لم يعد يسمع صوت الحياة وهي تهمس في أذنيه بأن للعلاقات باباً فابحث عنه!
فعادة الوافدين الجدد ألا يفرقوا بين أبواب البيوت وظهورها.
لقد وجد الباب بفطرته دون كبير عناء، ودخل إلى هناك.
هو مشغوف بالمذاكرة والقراءة, يريد أن يقدم نفسه تلميذاً متفوقاً, ويزداد بصيرة بحاضره, ومن الحاضر يتطلع إلى المستقبل, وقد يحرم نفسه من بعض مرح الطفولة ولعب الصغار, مما ولّد عنده طبيعة تنافسية تدفعه للجري وراء تحقيق المزيد، وعدم الاكتفاء بما هو متحقق.
ومن يدري؟ فقد يكون ذلك التلميذ المتفوق الهب حماسه للتحدي
وما قضى أحد منا لبانته *** ولا انتهى أرب إلا إلى أرب
لكل مجهود ثمرته, فها هو يتسلم شهادته الشهرية, ويحملها بحبور, ويعرضها باغتباط لمن يلاقيه, ولسوء حظه تأثر طرفها تأثراً غير ملحوظ, وكان هذا أشبه بكارثة عندما قرأ أسفلها: أن أي كشط أو تغيير في الشهادة يلغيها.
هل سيذهب هذا التهتك الصغير في زاوية الشهادة بثمرة الجهد الطويل؟
يا للخسارة!
لم يجرؤ على تقديمها للأستاذ, وتبرم من جوه الداخلي حيال بقائها معه خلافاً للمفترض.
واستمر يحملها معه ما بين المدرسة والبيت كمن يحمل جثماناً في حقيبته لا يهتدي للخلاص منه!
وفي النهاية قرر أنه لابد مما ليس منه بد, لقد استجمع شجاعته قبل نهاية السنة وقال لنفسه:
قل الحقيقة دائماً ثم وَلّ هارباً!
قدمها للأستاذ بيد مرتعشة وقلب وَجِلٍِ, مع أنه وطن ذاته على احتمال الصدمة التي ستكون مهولة بالطبع, نظر إليها الأستاذ ثم حدّق في وجهه, واكتفى بتوبيخ عابر على تأخير الشهادة, ولم تلحظ عينه التأثر في الشهادة, ولا التأثر على وجه الصبي الساذج الذي ظن أن الدنيا ستقف عند ذلك الحدث!
وانصرف الطفل ولسان حاله يقول: هانت!
إن لكل منا منطقة غامضة في شخصيته، عندما يتفحصها يكتشف بعض خفاياها، ويظل بعضها عصياً عليه, فهذا التلميذ يحار في تفسير ما يتفاعل داخل نفسه.
أستاذ العلوم يختاره، ويمدده أمام زملائه، ليجري عليه تجربة عملية للتنفس الصناعي, شعر حينها بحرج شديد, وأحس بأن عيون الصغار تأكله, وصور له ارتباكه أن الشفاه تَفْتَرُّ ضاحكة من مأزقه, هل تصبب عرقه؟
ربما, لكنه قرر بحزم دفع تلك المشاعر وعدم الاستسلام لسيطرتها, وجدد ثقته بنفسه, وكما يقول الإنجليز: ابدأ بمساعدة نفسك, ومن ثم يساعدك الله".
وأبلغ منه قول ربنا سبحانه في الحديث القدسي (من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً, ومن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً).
كان متميزاً في المواد الدينية, وتلك ثمرة الأيام الخوالي في القرية ومسجدها وبركة جلسات المنزل حين يقرأ بعد صلاة المغرب على والده شيئاً من الوعظ.
وقد علاه الحبور عندما جاء المدير ليسد غياب أستاذ القرآن، وقرأ لهم سورة الحاقة، وسأل عن مفرداتها مما هو خارج الدرس، فكان يجيب ويحظى بإشادة المدير الذي سأله عن اسمه .. ويا لها من كرامة!
تلميذ الصفوف الأولى أصبح طالباً في الصف الرابع، وهنا داخله شعور باختلاف المرحلة عن سابقها، لقد انضم إلى كتبه مقرر التجويد ومقرر الجغرافيا الذي يمتلئ غرابة في عنوانه قبل فحواه، وكأنه لغة مختلفة، وإذا كانت الأرواح جنوداً مجندة، فإنه لم يكتب له الانسجام مع هذا الدرس الذي ظل عصياً عليه.
المسابقة المدرسية تخطف اهتمامه، ويشارك في فريق المدرسة مقابل (المدرسة الفيصلية)...
والسؤال الموجه لهم عن تسمية أفريقيا بالقارة السوداء ؟
كان الأستاذ المرافق يمسح وجهه وكأنه يلهمهم الجواب، ولكن المحاولة باءت بالفشل، فالصغار على البراءة لا يفهمون خائنات الأيدي!
الإذاعة والنشاط المدرسي فرصة للتدريب وإسماع الآخرين صوتك، فلتحاول .
ها هي قصة مؤثرة لشاب قتل أمه وسقطت مضرجة في بركة من دمها النازف فيعجم لسانها، ويتكلم قلبها ويقول للولد الذي هم بالانتحار: ها يا بني لقد قتلت قلبي الأول، فلا تقتل قلبي الثاني.
كان يبكي حين يتخيل الواقعة ويردد مع نظم القصة:
أغرى امرؤ يوماً غلاماً جاهلاً *** عن أمّه كيما ينال به الوطر
قال ائتني بفـؤاد أمك يا فتـى *** ولك الجواهـر والدراهـم والدرر
فأتى فأغرز خنجراً في قلبهـا *** والقلب أخرجـه وعاد على الأثر
لكنه من فـرط سرعته هوى *** فتدحرج القـلب المعفّـر بالأثـر
ناداه قلبُ الأم وهـو معفّـر *** ولدي حبيبي هل أصابك من ضرر؟
واستل خنجره ليطعن قلبه *** طعناً فيبقى عبرة لمن اعتبر
ناداه قلب الأم كف يداً ولا *** تطعن فؤادي مرتين على الأثر
ضاعت ورقة المشاركة لدى الأستاذ في الزحام والأستاذ ينهر الطفل ويطالبه لتقديم ما لديه فينصرف تعلوه الكآبة، ويلفه الحزن.
وإذا كان للجدران آذان، فإن لها لساناً ناطقاً في تلك المدرسة حيث يقف الصبي أمام اللوحات الحائطية الجميلة، والصحف المنقوشة بخط أخّاذ وهي تشيد بإنجازات المدرسة... ! وكأنها صحفنا السيارة اليوم.
ولا يلهيه عن ذلك إلا لحظات للمقصف المدرسي وجلسة الشاي، ثم صوت الصافرة تنادي الطلاب إلى مقاعدهم.
هو طالب في الصف الخامس يتجول في الحراج ( المزاد )، فيجد الكتب التي تشده وتغريه...
هذا ( رياض الصالحين ) الذي ماكس حتى اشترى منه نسخة متآكلة، ولكنها سليمة.
وهذا كتاب ( الكبائر ) المنسوب للإمام الذهبي والذي شعر برعب حين مطالعته.
وهذا كتيب صغير اسمه ( الإسراء والمعراج لابن عباس ) وهو نسخة خيالية لا تمت للحقيقة والعلم بصلة، ولكنه قرأه بنهم، وما أن فرغ من قراءته حتى أحس بأنه قد التهم وجبة مسمومة أنّى له أن يتخلص من آثارها.
لقد صنعت له وسواساً في تلك السن المبكرة، حيث صورت له ملائكة في السماء نصف أجسادهم من النار والنصف الآخر من الثلج، فلا النار تذيب الثلج، ولا الثلج يطفئ النار، وصَعُبَ على عقله أن يستوعب هذه الصورة الغريبة، كما عزّ على ذاكرته نسيانها، وهو أمام خبر ديني ظنه صادقاً، ولم يخطر في باله أن مثل هذه الكتب تملؤها الروايات المكذوبة التي لا سند لها.
ولا يزال الكثيرون يقرؤون كما قرأ ويستسلمون للأساطير وتصنع لهم الوساوس الأبدية دون مرشد أو منقذ!
ظل مشدود الأعصاب حتى امتد الأمر إلى وضوئه وصلاته، وحاول البحث عن مخرج فلجأ للأوراد، واشترى كتاباً لأذكار الصباح والمساء، وصار يقرؤه لساعة أو تزيد ويستجمع طاقته وإرادته حتى تخلص من آثار تلك الوجبة المسمومة.
وصارت تلك الأذكار عادة لا يخلفها تحت أي ظرف، ولكنها تطول أو تقصر حسب الحال.
وإذا كانت القدوة الحسنة خيراً من العظة، فلقد اتصل الصبي بأساتذته عاطفياً، وأحبهم بوعي، واقترب منهم بشغف، وقبس من معارفهم، ولا زال يذكر مدرس الرياضيات الذي كانوا يعتبرونه رمز التفاني والإخلاص، ويتحملون ضربات (المِسْطعة) في صباح الشتاء على راحاتهم الطرية؛ لأنها ممزوجة بالانتماء لهذا الأستاذ، وتكفي فيه شهادة والد الفتى الذي يقول: (لولا أنه حليق اللحية لكان شيئاً آخر !).
في نهاية الشوط ينجح من السادسة الابتدائية بتفوق وتبدو عليه علامات الفرح... مما يبعث لدى الأهل تساؤلاً عن السر.
لقد ساعد أحد زملائه المعوزين بمعلومة وقعت في أذن المراقب الذي نهره ووبخه، ومن ثم خشي الفتى أن يكون سجلها عليه وألغى امتحانه.
أكان الخوف خِصّيصة له؟
أم هو شأن الصبية ؟.
أم هو طبع الإنسان مهما تكن مرحلته العمرية، ليقول هو بعد ذلك.
الإنسان خائف بالطبع.
في تلك الإجازة مات زميله ( ح . ث ) بالزائدة الدودية، وخلف له حزناً وهماً وخوفاً، حتى كان يتساءل عن أوان الرحيل!
وتداعت إلى ذهنه خيالات المرض التي تحكيها الأم عن أولاد الجيران والقرابة، وكيف ماتوا ؟ وكيف أصيبوا ؟
وها هو يرى في منامه الرؤيا بعينها التي أخبرته أمه أنها علامة على قرب الأجل!
لكنه كلما أحس بالضيق لجأ إلى الذكر والمناجاة واستشعر رحمة الله تحوطه وتحميه.
وهاهو بعد الرؤيا بعقود يشعر بغرابة الرحلة وتجاوز حالات عدة ظن أنها الفراق!
وهو لا يزداد إلا استمتاعاً بالحياة وتطلعاً إلى جمالها!
وهكذا ودّع خمس سنوات من عمره في مدرسة كان اسمها (الحويزّة ) حيث أخذت الاسم بعفوية من البيئة التي تحيط بها.
ثم غادرت مبناها الأول إلى مبنى جديد، واختير لها الاسم الجديد (الأندلس ) حيث دخلها بعد طالباً في المراكز الصيفية، أو مستمعاً إلى محاضرات الشيخ الشهير (صالح بن إبراهيم البليهي) رحمه الله.
أياً كان الاسم تظل ذكريات الطفولة جميلة ببراءتها وصدقها، عذبة بآلامها وهمومها، وكأننا نعوض عن فقدانها باحتضان الصغار وقراءة الطيبة في عيونهم!
جادك الغيث إذا الغيث همى *** يا زمان الوصل بالأندلس
لم يكن وصلك إلا حلماً *** في الكرى أو خلسة المختلس
تبصر الورد غيوراً برما *** يكتسي من غيظه ما يكتسي
وترى الآس لبيباً فهما *** يسرق السمع بأذني فرس
لا عج في أضلعي قد أضرما *** فهي نار في هشيم اليبس
سلمان بن فهد العودة
بريدة، 16/4/1426هـ
__________________ الحمد لله رب العالمين ..
حمدا دائما كثيرا طيبا مباركا فيه ..
وكما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ..
وكما تحب ربنا وترضى ..
وبعد الرضا ودائما وابدا .. |
| |
25-08-2006, 08:01 AM
|
#7 (permalink)
| | صديق ماسي مميز
تاريخ التسجيل: Nov 2005 الدولة: في ربوع الرسالة الوارفة
المشاركات: 9,972
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 84 في 83 موضوع
|
((7))
الحلقة السابعة في الطريق إلى النهضة د. سلمان بن فهد العودة 22/7/1426
27/08/2005
أمام المبنى المسلح القديم، الذي افتتح عام 1376هـ, وقف فتى ودّع اثني عشر عاماً من صباه تماماً كهذا المبنى، وخلّف وراءه طفولةً مشبعة بنسمات الحياة اللذيذة, التي لا زالت هبّتها تدبّ في جسده، ولهفة عينيه تسبق خطاه, فها هي الحياة تناديه؛ ليرسم معها دربا يسلكه في المسير والمصير، في موج مرحلة النضج والمراهقة، وبداية اكتساب مهارات التفكير المجرد " القدرة على التفكير في التفكير ", حيث الأولاد يتمتعون بوعي انفعالاتهم، ويصبح بإمكانهم تنظيمها بطريقة أفضل، وليسوا بمنأى عن المثيرات الاجتماعية، وإن كانت العناصر الأساسية للتنشئة الاجتماعية في هذه السن قائمة؛ متمثلة في الأسرة, ومجموعة الزملاء, والأنشطة.
يقدّم الفتى أوراقاً؛ يلتمس بها قبوله في المعهد الذي اكتسب صبغة دينية، يحدوه ميله الفطري لذلك, ورغبة والده من خلفه تدفعه رويداً رويدا.
الكثير يجدون أنفسهم يتصرفون مثل آبائهم؛ لأنهم سبقوا في اكتشاف الحياة، حيث يوجد مسوغ خفي وراء قيام الناس بتنفيذ ما يرونه من الكبار، أو يحسّون أنه يعجبهم.
على قدميه يقطع بضعة كيلومترات إلى المعهد جيئة وذهاباً قبل أن ينتظم في مجموعة نقل نتزاحم على مقاعد الوانيت كأعواد الثقاب.
هذا المعهد الذي ضم نخبة من المعلمين والمربين من مختلف الجنسيات مثل الشيخ صالح البليهي, الذي اختصّ به بعد, وأعجب بلطفه, وطرفته, ودماثة خلقه, وفقهه الفطري، والشيخ صالح السكيتي، والشيخ علي الضالع، والشيخ محمد الراشد..وغيرهم
ومعهم وقبلهم أساتذة ذوو شهرة لم يأخذ عنهم؛ كالشيخ: عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد القادر شيبة الحمد، والشيخ محمد السبيل.
الأساتذة خليط من الشيوخ والمتقدمين, ممن تلقوا قدراً من العلم في حلقات الدرس في المساجد, وتميزوا بالفطرية والبساطة، ولم يتدربوا على الضبط الإداري والتعليمي؛ بيد أنهم يملكون بعفويتهم وإخلاصهم قدرة غير عادية على التأثير والتربية, ومن الأساتذة المتخرجين من الكليات، ممن هم أكثر تأهيلاً للتدريس والتربية والمتابعة، و(المتعاقدين) وغالبهم من أرض مصر الطيبة، أمثال الأستاذ " علي إسماعيل ", مدرس علم النفس, الذي كان مثالاً في الخلق, وإن لم يكونوا جميعاً بالمستوى ذاته.
دخل المعهد قبل أن يدرس فيه، لقد كانت الإجازة فرصة للتعرف على ( الشيخ حمد ), الذي أحبه أشد ما يكون الحب, وأصرّ على صحبته في زيارة إلى الرياض، الأمر الذي لم يرق للوالد, لكن عناد الطفولة بالإضراب عن الذهاب للمتجر, والبكاء, والتخريب؛ كانت أوراق ضغطٍ أدت إلى إذعان الأب، وذهبا مع سيارة أجرة ضمن آخرين، وعلى طول الطريق كان الغناء ينبعث من مسجل السيارة أو المذياع، لا يدري، لكنهما كانا منهمكين في حديث خاص، والشيخ يشرح آثار الانحراف الخلقي على الناس من الناحية البدنية.
ولا زال الفتى يتذكر تلك الصورة التي رسمها، صورة مرضى في مستشفيات معزولة, أجسادهم مهترئة, وقابلة للتفكك, كلما اجترّها أحد بسبب إدمان الجنس...
كانت موعظة مؤثرة، غير مباشرة ، وربما شديدة، على أسر وبيوت تحفها الطهارة ، ويلفها ا لحياء...
ومع إشراقة أول يوم دراسي؛ تَأمّل صاحبنا مستقبلاً خفي عليه، لكن تعلُّم الهدوء أورثه سلاسة مع نفسه، وأكسبه طمأنينة أراحته من البحث الدؤوب عن أولويات المستقبل؛ فالإنسان الذي يعتقد أن الحياة مكان خطير يمتلئ بالتهديدات؛ سيجد عالماً مليئاً بالخوف, والحزن, والإحباط, والإنسان الذي يؤمن بأن الحياة مليئة بالفرص الهائلة والأعاجيب التي يمكن للمرء الخوض فيها؛ سيجد هذا العالم نفسه مليئاً بتنوع وثراء وإشباع لا حدود له، فأي صورة ترى فيها الحياة فأنت تصنعها كذلك.
وكونك ولداً يعني: أن ثمت التزاماً صارماً بالمسؤولية. فحولك تلتف مجموعة من القواعد التي تحكم سلوكك، وهذا الجسد الذي تحمله أو يحملك إنما تعده لما هو أكبر، وما هبة المعهد التي تساوي (200) ريال شهرياً إلا بداية قياس المدارك.
لقد كان أول مورد مالي خاص به، مما أتاح له فرصة الاستقلالية بالمتطلبات الذاتية.
كذلك العلاقات ارتقت مع أناس، وتشعبت مع آخرين، وربما انقرضت مع آحاد، وكما هو ثابت في الدراسات التجريبية فإنَّ العلاقات بين الأولاد في هذه المرحلة لا تزال تركز على ممارسة الأنشطة الجماعية، وليس على وجودهم معاً.
البداية دائماً قوية؛ فقد كان مندفعاً لتحقيق أهدافه، إذ كان يشعر بهمّ التأثير على الطلاب، ونقلهم إلى عالمه، وحفز أصدقائه على القراءة، ويخاطب نفسه بالإحساس المبكر بالمسؤولية تجاههم، فيعيرهم بعض الكتب التي يقتنيها في الصندوق الذي سمّاه ( دولاباً) لأول وهلة، ثم بدا له أن يسميه ( المكتبة !) ، ويراقب بانتظام وغبطة اصطفاف الكتب على رفوفه وتزايدها! ، وقد وضع عليها ختماً بالاسم والرقم والتاريخ، أو يعرف الأصدقاء بالمكتبة التجارية الناشئة- النهضة – حيث الشيخ حمد ، وحيث تباع الكتب الإسلامية وكما تقول الحكمة التي كانت معنى في نفوسهم، لم يفصحوا عنه:
( بإمكان مجموعة من أصحاب الفكر والمبادئ أن يغيروا العالم).
وتبهجه الحياة حين يتصورها أفضل مما هي عليه، قبل أن يخوض غمارها ويعي تكاليفها دون أن يسأمها!
يتعارف الشباب في ذلك الموقع الناشئ في (شارع الخبيب)، قلب بريدة النابض وتقتطع اللقاءات الحميمة هناك جزءاً كبيراً من وقتهم، عقل مفتوح، ونفس متوثبة ما هي محصلته؟
هو الفتى عاشق الكتاب، يشارك في الإذاعة في سنته الأولى في المعهد، وينتقي ويقدم، يتحدث عبر ( مكبر الصوت )، نقطة انطلاقه غرفة صغيرة خصصت لـ( هيئة الإذاعة )،كما نطق بها أول مرة !!
ومن تلك الغرفة، يطيب لأحد الفتيان أن يطلق صفيراً أثناء الإذاعة، فيسمعه الطلبة في الفناء، والأساتذة في غرفة جلوسهم، ولأنه المسؤول عن الإذاعة؛ تتجه الأنظار إليه، فيوبخه الأستاذ، غير مراع لصغر سنه وجسمه، بالنظر إلى الآخرين، مصدر التشويش، والذين عيروه فيما بعد ( بهيئة الإذاعة البريطانية) ! وحقاً ما يقوله علماء النفس، إن هذه السن نمو مستمر, وشعور, ووصف جلي للانفعالات الأكثر تعقيداً؛ مثل: المهانة التي يشعر بها، والمسالمة التي انتقل إليها، والفخر الذي ناله, عندما اعتذر لأستاذه بأسلوب مدروس, ووضح له أنه يمقت المشاغبة التي حدثت، وكان يتحفظ حديث:« أَلاَ لاَ يَمْنَعَنَّ رَجُلاً هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ »؛ ليخاطب به أستاذه الموقر!
أحب مكارمَ الأخلاق جهدي *** وأكره أن أعيب وأن أُعابا
وأصفح عن سباب الناس حِلماً *** وشر الناس من يهوي السبابا
ومن هابَ الرجالَ تهيبوه *** ومن حقر الرجالَ فلن يُهابا
إن القدرة على تنظيم الانفعالات وضبطها هي علامة على النضج، وتشتمل: ملاحظة الانفعالات الإيجابية والسلبية، والتفكير في كيفية التعبير عنها بطريقة سليمة، وتلك الغرفة الإذاعية الصغيرة, التي يتندر عليها الفتيان: ( يا سلام هنا لندن )؛ كان يراها تحقق أهدافه الصغيرة التي تملأ عليه عالمه.
مجلة المعهد السنوية كانت ميداناً للسباق بين المتنافسين، وقد داخله فرح غامر؛ حين قرأ اسمه في أحد صفحات المجلة, التي نشرت له قصيدة عن: ( الهجرة ), ثم في العام الآخر (خماسيات) .
جمعية التوعية الإسلامية, التي بدأت بنشاط ، وحددت لكل سنة شيخاً ينثر على طلابه ما يحتويه عقله من أدب ومعرفة،كان هو أحد المنتسبين إليها أكثر من عام، وإن شعر أحياناً بضعف كفاءة الأستاذ المخصص, وتمنى غيره؛ لكن شعوره العميق بالانتماء الروحي لهذا اللون من النشاط جعله يتجاوز هذه الحالة الخاصة.
ربما كان ثمت تيارات فكرية إسلامية حركية وراء هذا النشاط، لقد كان يشهد، دون أن يدري، ميلاد حركات إسلامية، وأخرى يسارية.
والحق أن مآلات الأمور انتهت إلى غير ما كان يظن, وأنّى لسن كهذه أن تبصر ما خلف الكواليس بأفئدتها!
لقد كان يسمع حديثاً مكرراً عن المدرسة الثانوية, وأن الأمر فيها مختلف، وأن التيارات الناصرية تسيطر على طلابها.
الزمان وحده هو الذي وضح الصورة فيما بعد، لقد كانوا يؤكدون أن الاتجاه الفكري لا يسهل الرجوع عنه، وليس كالمراهقة السلوكية؛ بيد أن واقع الحال أكد غير هذا، ولم يعد يرى أحداً ممن كان البعض يعدهم ( خصوماً ) متشبثاً بما كان يزن به !
ولكن الفضل يعود لهذه الجمعية في إحكام العلاقة مع الطلاب الخيرين، وفئة من الأساتذة الأفاضل، ولم تكن مملة أو جامدة، إذ كانت تحتوي على طلعات برية، وجلسات منزلية، وتدارس علمي، واحتفالات مدرسية, وها هو يتفرس قسمات الأستاذ وينظر إلى وجهه وشعر لحيته باغتباط!.
قرءوا في الجمعية كتاب ( المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام ) للشيخ محمد محمود الصواف، القادم من العراق ،على إثر اضطهاد حركة الإخوان المسلمين، ولا يزال يذكر أن الشيخ الصواف نفسه زار المعهد العلمي، وجمع له الطلاب في الفناء، وتحدث بحماس، ذكّره بما قرأه على لسان الشيخ على الطنطاوي, عن بلاغة الصواف, وحماسته في خطابه.
والفتيان بعدُ يتحدثون عما قال وما جرى ، ويحاولون أن يسبقوا الزمن، ويكبروا فوق مستوى أعمارهم، ليتكلموا في الأسرار والملحوظات والتقييم, لا يزال يذكر حواراً بين عدد من الأساتذة حول قدرة الطلاب على تقويم ( تقييم ) مدرسيهم ، وكان يعجب من شكِّهم في ذلك!
صغير يطلب الكبرا *** " وشيخ " ودّ لو صغرا
وخالٍ يشتهي عملاً *** وذو عمل به ضجرا
ورب المال في تعب *** وفي تعب من افتقرا
ويشقى المرء منهزما *** ولا يرتاح منتصرا
ويبغى المجد في لهف *** فإن يظفر به فترا
أكان العقاد أبلغ حين يتحدث عن حاله بالأمس؟ أم عن حاله اليوم ؟ أم عنهما معاً؟...
سلمان بن فهد العودة
بريدة، في 16/5/1426هـ
__________________ الحمد لله رب العالمين ..
حمدا دائما كثيرا طيبا مباركا فيه ..
وكما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ..
وكما تحب ربنا وترضى ..
وبعد الرضا ودائما وابدا .. |
| |
25-08-2006, 08:03 AM
|
#8 (permalink)
| | صديق ماسي مميز
تاريخ التسجيل: Nov 2005 الدولة: في ربوع الرسالة الوارفة
المشاركات: 9,972
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 84 في 83 موضوع
|
((8))
الحلقة الثامنة في البدء كانت القراءة
د. سلمان بن فهد العودة 7/8/1426
11/09/2005
الجميع مختلفون في الطريقة التي يفهمون بها العالم من حولهم ، وتستخدم الأفهام للتواصل مع الآخرين ، وارتجاع الماضي ، والإبحار في عوالمه العجيبة . والكتاب مفتاح الزمن بأبعاده الثلاثة .
هو أحد الفتيان الذين عشقوا الكتاب، والتحموا معه، وعثروا على المتعة بمصاحبته ، فلعب دوراً رئيساً في تشكيل شخصيته ، وحاول أن يقتبس منه الآليات الدافعة للطموح ، والتي تتضمن الشغف ، والإيمان ، والإستراتيجية كوسيلة لتنظيم الموارد ، ووضوح القيم ، وتفعيل الطاقة ، والقدرة على الارتباط وتكوين علاقات مختلفة ، وإجادة فن الاتصال .
فالجهد المنظّم عائده مُضاعف ، ونتيجته مثمرة .
وبالاطلاع تؤسس معارف ، وتنمى ثقافة ، والفرص المواتية تولد الحظوظ!
يتذكر جيداً ذلك الصباح حين أبصر طائفة من الكتب الجديدة الجذابة.. ولسان حاله يقول :
فما هو إلا أن أراهَا فُجَاءةً *** فأبهت لا عرف لدي ولا نكرُ !
عنوانات أخّاذة ، واسم شهير : الشيخ علي الطنطاوي .. فيقرأ منها " رجال من التاريخ " حيث الحماس والقدوة . و " قصص من التاريخ " حيث اللغة الآسرة والأسلوب القصصي ، لقد هّزت وجدانه بقوة ، كما أضحكته " صور وخواطر " وأغراه " هتاف المجد " و " في سبيل الإصلاح " حين سمع بأنها على قائمة الكتب الممنوعة ، وكل ممنوع مرغوب ، ومنها علم بأن الطنطاوي يقول الشعر ، نادراً، فها هو يخاطب الملك سعود في زيارته لباكستان فيقول:
أسعود باكستان أكبر دولة *** ولأنت أكبر سيد وعميد ..
ويجد الطنطاوي يصف المنفلوطي بأنه " شيخ الكاتبين " فيقرأ كتب الأخير ، ولا غرابة ؛ فا "النظرات" مقرر لمادة المطالعة في المعهد ؛ ولكنه يعزف عنه ، لأنه مقرر ، ويقبل على " العبرات " ويسكب العبرات على قصة الحب المؤثرة " تحت ظلال الزيزفون" في حالة من المشاركة الوجدانية.
ويتغنى بما نظمه المنفلوطي :
ليت فرجيني أطاعت بولساً... الخ ،
ويتعرف على مصطفى صادق الرافعي ، فيقرأ " وحي القلم " الذي كانت مجلداته الثلاثة تزيّن رفوف مكتبته ، ثم " تحت راية القرآن " الذي كان وهج المعركة بادياً في سطوره ، ويستعصى عليه " أوراق الورد " و " المساكين " فقد أحس بأنها قطع من الصخر فلم يُسِغْها ، وحاول أن يحفظ سطوراً ثم تجاوزها مستثقلاً متبرماً .
ثم هو يصحو يوماً على مجموعة مختلفة ، فهنا " مذكرات الدعوة والداعية " الذي هو يوميات خفيفة وصادقة للشيخ حسن البنا ، ثم " رسائل الإمام الشهيد حسن البنا ".. أوراق داعبتها أنامله ، وأبحر فيها عقله ، واتقدت عاطفته.
بعد شهور يتسلم مجموعة كتب " توزع مجاناً "! " :نافذة على الجحيم " ، " لماذا أعدم سيد قطب وإخوانه ؟ " ، " وثيقة سرية تفضح مخطط الناصرية " .
لقد قرأها بِنَهَم ، وأحسن بأنه تناول طعاماً مراً ، صدمه من الأعماق ، وخدش هذا الإحساس الطفولي المرهف ، وغدت الخيالات المؤلمة لصور المعذبين أحافير في ذاكرته ، بما فيها من معاني القسوة، وإهدار الكرامة الإنسانية
نَمْ يَا صَغِيري ... إِنّ هَذَا المهْدَ يحرسه الرّجَاءْ...
مِنْ مُقْلَةٍ سَهِرَتْ لِآلَام تَثُورُ مَعَ المسَاءْ
أَشْدوا بِأُغْنِيَتي الحزِينَةِ ثُمّ يِغلِبُني البُكَاءْ..
وَأَمدُّ كَفّي لِلسّماء...لأستحث خطى السماء!
نَمْ.. لا تُشاَرِكْنِي المرَارةَ والحَزَنْ
فَلَسَوفَ أُرْضِعُكَ الجِرَاحَ مَعَ اللبَنْ ..
حَتَى أَنالَ عَلىَ يَدَيكَ مُنىَ وَهَبْتُ لَها الحياه ..
يَا مَنْ رَأَى الدّنيا..
وَلكِن لَنْ يَرى فِيهَا أَبَاه..
وحين اشترى كتاب " البوابة السوداء"؛ وجد المزيد من الرعب، والدماء..! بوابات كأنها سراديب الشيطان في بحر لجي يغشاه موج من فوق موج من فوق سحاب.
هذا الشعور حفزه على حفظ الأسماء، والصور، والقصص، والأشعار فـ " رسالة في ليلة التنفيذ " لهاشم الرفاعي ـ وهي درة القصيد الإسلامي ـ لا تزال منقوشة في ذاكرته ، وثم قصيدة أخرى مطلعها :
فاض القريض بخاطري فدعوني
أفضي لكم بفجائعي وشجوني
حفظها ، ثم علم بعدُ أنها من نظم د . يوسف القرضاوي .
مجموعة جديدة من طباعة " الدار السعودية للنشر والتوزيع "
هي مجموع ما كتبه الأستاذ سيد قطب ، لقد شغف بها وقرأها عن آخرها، بل حفظ بعض مقاطعها، وكانت النهاية الأليمة لهذا العلم العظيم، وأضرابه ملحمة تحكى ما كتبه في ظلاله عن أصحاب الأخدود، ولقد دهش صاحبنا حين جاء سؤال التعبير في السنة النهائية – وهو يعتمد من رئاسة المعاهد في الرياض - تعليقاً على كلمة سيد الشهيرة " أن كلماتنا وأفكارنا تظل جثثاً هامدة، حتى إذا متنا في سبيلها وغذيناها بالدماء انتفضت حية وعاشت بين الأحياء!!"
ومثله محمد قطب وآمنة وحميدة، وقد رآهم مجتمعين في كتاب " الأطياف الأربعة"
قرأ كل ما كتبوه عدا المؤلفات القديمة التي نفدت طبعاتها وحتى هذه حاول الحصول عليها، وظفر بكتاب " طفل من القرية " الذي كان أشبه بمذكرات لطفولة سيد ، ولفت نظره أن إهداءه كان لعميد الأدب العربي – كما سموه – طه حسين : إنها يا سيدي أيام كأيامك ..!
في بعضها من أيامك مشابه ، وسائرها عنها في اختلاف..!
يقول أحد الحكماء. " إن أفضل جندي هو الذي لا يقاتل ، والمقاتل المتمكن هو الذي ينجح بلا عنف ، وأعظم فاتح يكسب دون حرب ، وأنجح مدير يقود دون إصدار الأوامر ، إن هذا ما يسمى ذكاء عدم الهجوم ، وما يطلق عليه: سيادة الرجال "
أبو الحسن الندوي رجل هندي عربي الأرومة من سلالة الحسن رضي الله عنه . قرأ له كل ما انتهى إلى يده من مؤلفاته، وأعجب ببيانه وعاطفته.
كما أعجب بأبي الأعلى المودودي، وقرأ العديد من كتبه بيد أنه أحس بثقلها وكثافتها.
وقرأ العقاد في عبقرياته، وإسلامياته، على شعور بالجفاء؛ أحسه نتيجة الحراك الفكري السائد حينذاك، وثمرة للجفوة مع حواريه السابق "سيد قطب".
لقد تعلم من هذه الدوائر المتنوعة ، ومن المقروءات " المضنون بها على غير أهلها " أن الذي يبالغ في التمسك بآرائه، لا يجد من يتفق معه .
ويبقى أن أي شيء يوسع نطاق القدرات الذاتية ، ويبين للإنسان أنه يستطيع أن يفعل ما لم يكن يظنه ممكناً، شيء عظيم القيمة.
لقد ضم إلى كتبه المقروءة مصدراً آخر للمعرفة ، إنها المجلات الإسلامية التي كان يقرأها من الغلاف إلى الغلاف ؛ كا"لوعي الإسلامي" الكويتية و " الشهاب " اللبنانية و " المجتمع " و" البلاغ " و " الدعوة " السعودية يوم أن كانت جريدة، ثم مجلة و " المنهل "
البيت يشهد حركة نشطة لشراء الكتب، والجدية تدب في أوصال العلاقة الحميمة التي بدأت في المتوسطة، وامتدت إلى الثانوية ، وهو يجتاز سن الثالثة عشرة ، حتى الثامنة عشرة، وعندما يصل الأولاد إلى هذه المرحلة؛ يميل آباؤهم إلى اعتبارهم رجالاً صغاراً . ومن نواح متعددة هم كذلك ، حيث إن نمو قشرة المخ الأمامية " المسئولة عن الإدراك السامي " تقترب من الاكتمال في هذه السن، وهو جزء ضروري في المخ للتطوير والمزج بين المشاعر، والأفكار، والتحليل، والاستنتاج. اقتراب شديد للنضج واكتمال السمات الخاصة بالحالة المزاجية والنفسية، والتي هي أصدق تعبير عن الشخصية .
"اقرأ" كانت النداء الأول .. ولكنها النداء الدائم أيضاً.
وهو إذ وجد نفسه في الكتاب، فقد وجد الكتاب في نفسه، وصار يعد نفسه كتاباً مفتوحاً يصححه ويجدده، وهو يعلم أن لكل كتاب أجلاً، كما أن لكل أجل كتاب.
سلمان بن فهد العودة
بريدة،14/6/1426هـ
__________________ الحمد لله رب العالمين ..
حمدا دائما كثيرا طيبا مباركا فيه ..
وكما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ..
وكما تحب ربنا وترضى ..
وبعد الرضا ودائما وابدا .. |
| |
25-08-2006, 08:05 AM
|
#9 (permalink)
| | صديق ماسي مميز
تاريخ التسجيل: Nov 2005 الدولة: في ربوع الرسالة الوارفة
المشاركات: 9,972
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 84 في 83 موضوع
|
((9))
الحلقة التاسعة في ضيافة الخليل!
د. سلمان بن فهد العودة 3/10/1426
05/11/2005
في ضيافة الخليل!
ليس على طريق النجاح إشارات تحدد السرعة القصوى، وليس ثمة مستحيل طالما صدق العزم وتم التوكل .
بيد أن طريق الفشل هو الآخر لا يتطلب أكثر من خور الإرادة، أو فقدان التخطيط .
هنا صبي شد شراعه ليبحر في عالم الشعر حينما يكون البحر متقارباً، أو طويلاً، أو بسيطاً، لا حينما يكون أبيضاً متوسطاً أو أحمراً أو ميتا!، ويحاول الغوص في أعماقه، قراءة وتذوقًا، ثم يترقى ترديدًا وحفظًا، وينتهي به المطاف نظمًا!
وهو لا يستطيع أن يقول: بأنه شاعر متميز، بل شعره وسط، كما قيل عن شعر ابن حزم، أو شعر الفقهاء، أو فوقه بقليل!
والشعر صعب وطويل سلّمه، كما قيل!
في الحياة فرص كثيرة، منها الذاكرة الغضة المتوقدة في سن الطفولة والشباب، ومن الفرص أن يوفق الفتى بمن يشجعه على توظيفها، وتوظيفها فيما ينفع.
خلال سنوات المعهد العلمي الست كانت القراءة الأدبية شوقه ومتعته وإبحاره، تتفرع وتتوحد، وتحيطه بخيارات كثيرة، فالفائدة، والمتعة، والمعرفة، بعض فيضها.
والشعر يحاكي وجدانه، ويلهب عاطفته، لقد كان يراه واحةً يستظل بفيئها، ويجني أطايب ثمرها، فيقرؤه، ويتغنى به، ويحفظه، ويردده في سفره وسمره، ويستذكره بين الفينة والفينة كلما استطعمه الأصدقاء، أو استحلاه الأهل، فهو رفيقه في صخب الاجتماع، وهدآت الوحدة.
تعرف على الشعر القديم، وحفظ الكثير منه.
قرأ الشعر الجاهلي، والإسلامي، وحفظ للمشاهير من أعيان قصائدهم، فالمعلقات، وشعر حسان، والمتنبي، وشعراء الأندلس، وعيون الشعر المختارة كـالأصمعيات،والمفضليات و اليتيمة، وقصيدة ابن زريق، والجرجاني، ومالك بن الريب.
وطالع المجموعات الشعرية، راقيها وضعيفها، من ديوان الحماسة إلى جواهر الأدب، وما بين ذلك كمختارات من أدب العرب لأبي الحسن الندوي.
وتعرف على الشعر الحديث والمعاصر، وقرأ لأعلامه أيًا كانت مشاربهم وأغراضهم.
محمود غنيم، ومحمود حسن إسماعيل، وهاشم الرفاعي... من مصر، ولقد أغراه بهم وبأمثالهم الروح الإسلامية الحية، فلا غرو أن حفظ عشرات القصائد لهم، وزين بها حديثه ودرسه، وحفظ أبيانًا للرافعي ولم يعجبه نَفَسُه.
عمر أبو ريشة، وشفيق جبري، وعصام العطار... من الشام، ولا يزال يتغنى بالقصائد الطوال، والملاحم من شعرهم فقصيدة مثل:
أمتي هل لك بين الأمم
منبر للسيف أو للقلم
سارت مسير الشمس، وحاكاها مآت الشعراء، ولعله أحد من تقمصوا روحها حين يقول:
سبح الحق بتيار الدم
واشتوى باللهب المضطرم
زمزم فينا ولكن أين من
يقنع الدنيا بجدوى زمزم؟ ...
واغترابيات العطار تستدر عصي الدمع:
طال اغترابي وما بيني بمقتضب
والدهر قد جد في حربي وفي طلبي
وتوأمها الأخرى:
تطاول ليلي والسهاد مرافقي
وما أطول الليل البهيم لآرق...
تناءت به دار وأوحش منزل
وظلله هم مديد السرادق
وألقته أحداث على غارب النوى
فيا ليت شعري.. هل معاد لتائق؟
وهو لا يذيع سرًا إن قال إنه قرأ نزار قباني في دواوينه المتاحة، وأسر بشعره الجاد وحفظه ووظفه، من مثل شعر النكبة، وبعض التجليات الوطنية.
.............
فيا دمشق لماذا نبدأ العتبا؟
حبيبتي أنت فاستلقي كغانية
على ذراعي ولا تستوضحي السببا!
أنت النساء جميعًا ما من امرأة
أحببت بعدك إلا خلتها كذبًا
وليد الأعظمي، ومعروف الرصافي والجواهري، وأحمد الصافي النجفي، وبدر شاكر السياب من العراق.
وأتقن حروف السياب في معاناته مع المرض، وتذوقها كأحسن ما يكون الشعر، وللصافي يتذكر:
محمد هل لهذا جئت تسعى؟ وهل لك ينتمي همل مشاع؟
أ إسلام وتغلبهم يهود؟ وآساد وتقهرهم ضباع؟
أ يشغلهم عن الجلى نزاع؟ وهذا نزع موت لا نزاع
شرعت لهم طريق المجد لكن أضاعوا مجدك السامي فضاعوا
محمد إقبال قامة فكرية وأدبية سامقة، ولقد وجده وأحبه في (شكوى) و(جواب شكوى) ترجمها للعربية للأستاذ الصاوي شعلان، وحفظ مآت الأبيات منها، وعلى ضفافها قرأ (روائع إقبال) لأبي الحسن الندوي، وهو ترجمة نثرية لشاعر الهند العظيم.
ومن كتاب (منهج الفن الإسلامي) لمحمد قطب تعرف على عمر بهاء الدين الأميري وقرأ دواوينه وحفظ له قصائد.
قرأ لكثيرين من شعراء المملكة واليمن، وحفظ ما راق له من ذلك.
وفي تلك السن يكون الإعجاب بعاطفة القصيدة، قبل بنائها الفني، فلا غرابة أن يحفظ ليوسف العظم، أو وليد الأعظمي، أو قصيدة لشاعر مغمور لتوقد عاطفتها.
من جميل ما يتذكره للسنوسي:
لي وإنْ كنتُ كقطرِ الطَّلِّ صَافِي
قصفةُ الرعدِ وإعصارُ السوافي
أتحاشى الشَّر جهدي فإذا ما
لجَّ في عسفي تحداه اعتسافي
خــلقٌ وَرَّثَنِيِــهِ أحمد
فجرى ملءَ دِمائي وشِغافي
لم يغيره علـى طولِ المدى
بطشُ جبارٍ ولا كيدُ ضعافِ
ولمحمد الشبل:
يا عيد أنت على المدى أحدوثة النفس العليلة
وسعادة القلب الذي لم يلق في الدنيا سبيله
لكنها الأيام....
ولا غرو أن تجد في فوضى ذاكرته، قصائد ومقطوعات لمشاهير شعراء العربية كشوقي وحافظ، إلى البردوني والشابي، وإلى جوارها قصائد صادفها منشورة في جريدة، أومجلة أو ديوان لأحد الشعراء الناشئين، أو المدرسين الذين تنشر لهم الصحف وقتها دون تدقيق، من النظم أو شعر المناسبات.
لقد أحس بأن الشعر شلال يتدفق من ينابيع روحه، وتتهادى تفعيلاته على شفتيه، بين إيداع المعاني وجمال الصور.
وهو يجد أن محفوظه القديم في حصن من غائلة النسيان والفوات، مهما طال الهجر، بينما يعاني مع محفوظاته الجديدة، على ندرتها، والتي تنازعه الرحيل، وتتمنع منه، في دلال وغنج، وحين يتلوها يشعر أنه يسير في طريق دحض حافل بالمفاجآت.
سلام على أيام الصبا، حين كانت تلك القصائد كغزلان جميلة، سريعة الإلف، بعيدة النفار، طيعة مواتية، قانعة بالقليل من الجهد، راضية بالقليل من الوقت!
آه، لا يزال يذكر العديد من القصائد لشاعر فلسطيني أعجب بصياغته وديباجته وغموضه الرمزي من خلال ما كان ينشر له في مجلة (الشهاب)، إنه د. عبد الرحمن بارود، والذي كان يحتفظ بقصائده في مجموع خاص، ويخزن بعضها في الذاكرة، ويأسف أن يكون مصير هذا المجموع الأثير إلى نفسه الضياع (في ظروف خاصة!)، ويعجب أنه حين التقى الشاعر نفسه بعد سنين طويلة فوجئ بأن الشاعر قد نسي بعض بناته، وأن ديوانه الأصل ضاع هو الآخر منه (في ظروف خاصة!)، وبقي ما استعصى على الضياع من عصارة الذاكرة.
أبطئي والسير يا بقايا السحاب
صوحت أرضنا من الإجداب
والظما في عيوننا هائل قاسٍ
وصوت الفضاء سأمان كاب
يا بقايا السحاب... لا وابلاً نبغى
ولكن شيئًا من التسكاب
وإذا ما مررت من ربعنا يومًا
فحيّ منازل الأحباب
ثم يصدح بترنم حزين:
بو دادي لديك.. هون عليك الأمر
لابد من زوال المصاب
سوف يصفو لك الزمان
وتأتيك ضعون الأحبة الغياب
وليالي الأحزان ترحل
فالأحزان مثل المسافر الجواب
ويظل الشعر حادي الركب فهو كالحزن....، وأما الإنسان فهو المسافر الجوّاب! ؛ يرقص لجميل الشعر كما ترقص الإبل للحداء غير أن الإبل لا تسمع إلا دعاءً ونداء، والإنسان يسمع أدباً راقياً، وقيمة عالية، ومبدءاً ساميا
ولا يزال في جعبة الخليل ما يبل الغليل..
سلمان بن فهد العودة
الأربعاء 12/7/1426هـ
الرياض
__________________ الحمد لله رب العالمين ..
حمدا دائما كثيرا طيبا مباركا فيه ..
وكما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ..
وكما تحب ربنا وترضى ..
وبعد الرضا ودائما وابدا .. |
| |
25-08-2006, 08:07 AM
|
#10 (permalink)
| | صديق ماسي مميز
تاريخ التسجيل: Nov 2005 الدولة: في ربوع الرسالة الوارفة
المشاركات: 9,972
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 84 في 83 موضوع
|
((10))
الحلقة العاشرة ليلة خليلية أخرى
د. سلمان بن فهد العودة 16/11/1426
18/12/2005
هل الشعر ديوان العرب كما يقول ابن عباس ؟، أم هو ديوان الحياة الإنسانية كلها؟
قد يكون العرب أكثر تذوقاً للشعر وبحوره، حتى لقد كان ابن أبي دؤاد يقول: ما من عربي إلا وقال الشعر، قل أو كثر، حتى البيت أو البيتين.
وصاحبنا عربي أحسَّ بالموهبة في داخله، وسمع عزيفَها يناجي روحه، ووجد تفعيلاتها تتحرك بين شفتيه، بيد أنه غير راضٍ عن أدائه الشعري.
فهو يراه حيناً نفثات عابرة لا تطول، وحيناً آخر تدويناً لأحداث ومناسبات، ويجد في شعوره المكنون فوق ما يجد في بوحه.
وهو يقرأ القصيدة من عيون الشعر لبعض الفحول؛ فتنطبع في ذاكرته، وسرعان ما تتمخض معاناته عن قصيدة تحاكيها في الوزن والقافية، وإن اختلفت عنها في المضمون.
بدأ المحاولة بمعابثات طفولية، وأهازيج شعبية، فمرة حين سافر والده للحج وجد نفسه مرؤوساً لإخوانه في المنزل والدّكان، ومحتاجاً لأبي الجيران ... وأخرى حين همّ بالدراسة في المدارس العامة المتوسطة إلى جانب المعهد العلمي ... وأغراض من هذا الباب.
وأول ما يحفظه مما كتب مقطوعة ذات إطار عاطفي متصل بهموم أمته، وذات لغة سهله:
أنترك أرضاً بالتدين خصبة
إلى موطن فيه الفضيلة تُنتحر
وأصواتنا تترى تهدد خصمنا
كرعد يخيف القلب لكن بلا مطر
ونزعم أنا نبتغي الحق دائما
ونمشي وراء الحق لا نرهب الخطر
ولو أبصرت أبصارنا كل ظلمة
لشعت بنور الحق للحق تنتصر
ولكن أليس الواقع المر شاهداً
على أننا كالبهم ترعى بلا حذر
وإنا لقوم عزنا ورشادنا
بطـاعتـنا لله نـقتـدم البـشر
ونمشي أمام الخلق كلهم كما
مشت قبلنا الأجداد في زمن غبر
فلم يملكوا الصاروخ أو مدفعية
تمزق ما تأتي عليه ولا تذر
ولكنهم حازوا العقيدة وحدها
بها مزقوا من ناوأ الدين أو كفر
وهو إذ يقرؤها بعدُ يدرك الإشكال في (تُنتحر) بضم التاء أو فتحها..
أو في تكرار كلمة (الحق)، أو في انتقال الأبيات من غرض إلى آخر، بيد أنه يقرؤها ضمن إطارها الزمني لطفل في الثالثة عشرة من عمره.
قد تكون هذه المحاولات هي الخطوة الأولى لرحلة الألف ميل، التي بدأها ولم يكملها!
وليس ينسى أن أعظم حافزٍ له أن يستمع إليه المتذوقون للشعر من الطلاب الذين سبقوه إلى (الكلية) في الرياض، وهو يراهم في عداد أشياخه وينتمي إليهم ويعتزّ بهم، ولطالما هزّه الحبور وهو يستخرج من جيبه تلك القصيدة التي كررها حتى حفظها من الأديب الأستاذ محمد الشيبان..
يا بلبل الروض غرد في مرابعنا
وهات من لحنك الصافي نردده
على مسامع دنيانا فنعلمها
بأن للحق أبطالاً تؤيده
نشدو مع الطير في شوق وفي أمل
وننشد الفجر عبر الأفق موعده
فالليل مهما علت في الأرض رايته
النور من بعده يأتي فيطرده
والغيّ مهما عثا في ربعنا زمناً
فالحق يكسر طغواه ويخمده
هذي المشاعر أحكيها بلا وجلٍ
وكيف يخشى الورى من ربِّ يسنده
فغنّ للجيل .. واهتف في مسامعهم
وأودع الشعر للأيام تنشده
لطالما هز منك الشعر أفئدةً
منا فزدنا قصيداً منك مورده
لقد انتفض وهو يتوهم نفسه بطلاً .. وظن الأمر جداً لا هزل فيه، وطرب للأبيات، وشعر معها أن الشعر رسالة، وتوقف عند كلمة (طغواه) النادرة الاستعمال، ولكنها لفظ قرآني واسع الدلالة عميقها، كما تشبّع بالمعنى الذي حمّله مهمة عسيرة، واستفزّ طموحه لقفزة، سرعان ما أدرك أن موهبته تقصر دونها، فكان رجع الصدى لديه أن يبعث لصاحبه بهذه المعارضة:
البلبل النكد قد أوهته ما اجترحت
يد الزمان فلا الأعداء تحسده
فانهدّ مما يمضّ القلب من كمد
يشي به الجسم، والوصال تشهده
ولم يعد يعشق التغريد من كمد
كفاه هم الحنايا إذ يكابده
..............
من عمره فهو مضنى القلب مجهده
وكيف يعزف لحن الجيل مبتكرا
معذب .. ذاك محض الوهم مورده
يا صاح أبكيت قلبي فاعتراه أسى
لكن لحنك قد أضحى يهدهده
رددت لحنك صباً مدنفاً كلفاً
لكن لحني نشاز من يردده
ولعل هذا التراسل صادف حالة عاطفية خاصة غير مقروءة في الكلمات، لكنها مستبطنة في الوجدان!
هذه كانت حلقة في معارضات أكسبته جرأة وثقة ومحاولةً للوصول لما هو أفضل، مع الإيمان بأن من يريد الأفضل فلا بد أن يمنحه الوقت الكافي، والهدوء المصاحب، والانفعال المناسب.
حينما سئل أحد الشيوخ الأفارقة عن تربية الرجل الصالح.
قال: إنه الإنسان الذي يضحك ويبكي عندما يشعر أنه بحاجة لذلك!
حينما تحرك قلبه بارتباط عاطفي مع أحد زملائه الذين صادفهم في طريقه، وأحبه أشد ما يكون الحب، وأثّر ذلك على الشاب تأثيراً سلوكياً ايجابياً، حيث نقله من تيهٍ وضياع إلى جو المعرفة والقراءة والجد والمشاركة، وصلاة الليل في رمضان، وكان الشعر أحياناً هو الرسول بينهما!
لقد جمع بعدُ العديدَ من المقطوعات الشعرية التي يصحّ أن يطلق عليها أنها ((من شدو الطفولة)) كما أحب إخوانه الإلكترونيون أن يسموها بعدُ!
يبدو أن من ضرورات التربية أن يحمل الفتى قدراً من الإحساس بالأهمية والبحث عن دور من داخل ذاته، وأن التوظيف الحسن لذلك هو أفضل حل لنزق المراهق، عوضاً عن الانفلات المتجرد من الضبط، أو التدثر بثوب أوسع بكثير من جسده الغضّ البضّ.
إن قتل الطموح الساذج عند الصغار هو تدمير لمستقبلهم، ولعلهم صغار قوم كبار آخرين.
والعامة يقولون: ((الصنعة عورة حتى تكتمل))، وهذا حق؛ فإن البدايات مشوبة بالنقص المخجل، وهو غالباً مدرج الفشل الذريع بالتحطيم والإحباط، ما لم يكن صاحبها صبوراً متجلداً مستحضراً للقول السائر:
من لم يكن له بداية محرقة، فليس له نهاية مشرقة!
ولعله من الصواب أن نقول:
بداية مضحكة خير من نهاية مهلكة!
ولا يزال لنا في ضيافة الخليل ثالثة، فحق الضيافة ثلاثة أيام!
سلمان بن فهد العودة
25/8/1426
__________________ الحمد لله رب العالمين ..
حمدا دائما كثيرا طيبا مباركا فيه ..
وكما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ..
وكما تحب ربنا وترضى ..
وبعد الرضا ودائما وابدا .. |
| | |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | | | | أدوات الموضوع | | | | انواع عرض الموضوع | العرض العادي |
تعليمات المشاركة
| لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة لا تستطيع الرد على المواضيع لا تستطيع إرفاق ملفات لا تستطيع تعديل مشاركاتك كود HTML معطلة | | | |