لم تبق سوى أيام معدودات لنعيش و إياك تحت ظلال وارفة لثلاثين ورقة ، قد تنقص و لكنها لا تزيد ، لشجرة قد آن غرس بذورها ، أتراني أنعم في النهاية بثمرة التقوى منها "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" .
أتراك ستتفنن هذا العام في نوعية البذور التي ستغرسها ، أم ستشبه ما قبلها في أعوام مضت ، فأجدني في نهاية الشهر ما حصلت التقوى إلا اسماً دون المسمى ، ألملم بين كفيّ قشورها دون لُبها ، و أظل أعاني فصاماً في الشخصية ما تبقى من أيامي إلى أن يأتي رمضان الذي يليه و الذي يليه... ، و في كل عام تراودني الأماني لعل الحصاد هذا العام يغنيني و يغذي كل ذرة في كياني، فإن لم يتفوق الباطن على الظاهر ، فلا أقل من استوائهما .
تحصيلي للتقوى على مستوى يكون سندي و عضدي لبناء نفسي وأمتي ، معادلتي وحدي ، أعلم أنني المسؤولة عن وزن أطرافها ، و لكن حديثك الذي أنشده متجدداً غير مستنسخ عامل مساعد لبدء التفاعل الصحيح مع الآيات في شهر القرآن ، عساها التجربة أن تنجح ، فلكم غيرت المعاصي و الذنوب من كيمياء نفسي و فيزياء روحي ! .
أَينساب حديثك عذباً سلساً مفنداً و معالجاً للعوائق التي تحول بيني و بين صيامي أن أبلغ به منزلة التقوى ،
فأي صيام يبلغنا التقوى و نحن لازلنا نرى أن العمل لهذا الدين وظيفة بالإمكان الاستقالة منها حالما فقدت ما حددناه سلفاً من شروط و محددات و مثاليات ، و إلا فالفراق ، نحفظ عهد الله من مطلع الشمس إلى غروبها فلا طعام نقربه ولا شراب ، و نتحمل ألم الجوع و العطش ، و كم نخون العهد في حمل الأمانة بالتردد و الانسحاب و الإدبار و الإقبال ، فلا هدف قد اتضح لدينا ولا فكرة قد رسخت في أعماقنا لنحملها و نلقى في سبيلها ما نلقى ، و نظن أن لا ضريبة للثبات ، و إنما التقوى لمن صبر عند الصدمة الأولى .
و نصوم لتتقوى إرادتنا أمام الشهوات و نزداد نضجاً و نتدرب على ملكية القرار و لكنه يُسلب طوعاً من بين أيدينا عند تغيير المناهج و تطوير المقررات ، هنا لم نبلغ سن التكليف بعد ونحتاج أن نكون تحت الوصاية ، أنكون نحن اكثر علماً بشؤؤننا فقط ! الداخلية دون الخارجية منهم ؟
فأي تقوى نجنيها من صيامنا ونحن نؤصل ليوسد الأمر لغير أهله ؟
أي صيام يبلغنا التقوى و نحن لا نرعى ما استرعانا الله عليه و نضخ لمجتمعاتنا قنابل موقوتة من الطاقات المكبوتة و الأحلام المؤودة حين تغلق في وجوه أبنائنا بعد سنوات من الانتظار أبواب الجامعات و صروح التعليم العالي ، فأين يذهبون ؟ و ما البدائل التي أُعدت لهم ، أوَ من التقوى بيعهم هكذا بثمن بخس للفراغ و حبائل الشيطان و بؤر الفساد ؟
نصوم لنشعر بألم الفقير و المسكين و لنتصدق عليهم بما انعم الله تعالى علينا به ، و لكننا لا نشعر بألم البطالة الذي يعصف بشبابنا سنوات طوال ، فما أيسر إعداد موائد الإفطار الجماعي في المساجد و الطرقات ، و ماذا عن التوظيف الجماعي وإقامة المشاريع و تمويل الأفكار و تشغيل العقول ،
إلى متى يا أمتي في شهر القرآن الخير فقط إلى البطون و إلى متى يبقى تضور العقول من الجوع ، أما حان وقت إفطارها بعد ؟
و نصوم لنرشد الاستهلاك في الطعام والشراب و إن حدث ، أترانا نستشعر أن من التقوى أيضاً أن نرحم أنين آلاف صنابير الماء و هي تنزف ليل نهار قطرات من رصيد الحياة ، و منها ما يشتد أنينه فينفجر مدوياً على قارعة الطريق ، لتتجلى تقوى الصائمين أصحاب القرار حين تمر الساعات تلو الساعات إلى أن يبدأ مجرد التفكير في الإصلاح ، أم عن تقوى الصائم عند وضوئه و اغتساله ! فحدث و لا حرج .
نصوم لنكف عن الحرام ، و قد ننجح في هجر الغث من المواقع و الفضائيات ، و لكن ماذا عن القيل والقال و التكرار نحو الجيد منها ، أوَ لا نستشعر للوقت حرمة ؟
كم من ساعات الصائمين تُهدر لمتابعة الأخبار ، أوَ ما يكفيه مرة أو مرتين ، الآن حوار وعلى قناة أخرى لقاء ، لا يعني هذا الهجر تماماً و لا الاستغراق ، ولكنها الوسطية فنقطع من الأرض و نبقي من الظهر ما يبلغنا التقوى .
نصوم لترتفع قيمة الأخوة بيننا و ننعم بالصفة التي وصفنا بها المولى سبحانه و تعالى "إنما المؤمنون اخوة" ، و ما أجملها و نحن نعيش آلام إخواننا في سجون الغرب و معتقلاتهم و تتضافر الجهود منا للسعي نحو فك أسرهم و لم شملهم مع أحبابهم ، و لكن ماذا عمن هم في سجون و معتقلات محلية الصنع ؟
أي صيام يبلغنا التقوى ندع فيه الطعام والشراب و الشهوة ، و لا نقوى على مفارقة الزور في القول و العمل ، أوَ ليس تزييف إرادة الشعوب من قول الزور ، أوَ ليس تزييف نتائج الانتخابات في شتى المجالات من قول وعمل الزور ؟
نصوم لنتحرر من ربقة الجسد و شهواته ، و لكننا أسرى أحادية الرؤية و لا زلنا نرسف طواعية في أغلالها ، فأي تقوى نحصلها و نحن نستأثر بالحق أننا دوماً المجني علينا و الكل يشكو ، فمن المشكو منه ، أوَ ليس الثاني يتألم مثلنا و يرجو من الله ما نرجو، لماذا لا نعلن التحرر في أروع صوره فنكون أول الخيِّرين لا ثانيهما "و خيرهما الذي يبدأ بالسلام" ، أم يمر الشهر و الأرحام مهترئة ، و "اللاعلاقات" قائمة .
أي صيام يبلغني التقوى يا شيخي حين ترد على سؤالي بالاستفسار عن تذوق الطعام أيُفطر أم لا ، ولكنك "لا تفتيني" بترشيد الوقت و اختصاره عند إعداد المأكولات و المشروبات بدعوى إكرام الزوج و الأهل و الأولاد و تشدد عليّ بلزوم الساعة الأخيرة في مصلاي .
و الكثير يا شيخي مما أنت اعلم به مني ، انتظر حديثك عنه ، أَتراني أخطو معه خطوات نحو الرشد و التقوى ، و تسمو روحي و ينمو عقلي ، أم سأبقى أراوح في طفولتي إن لم أبلغ حتى طور المراهقة ؟
**********
يا شيخي عن ماذا ستحدثني (1)
http://muntada.islamtoday.net/showthread.php?t=1889