تعليقاتُنا .......الى اين ؟
قال الحبيب صلى الله عليه و سلم (مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى ) متفق عليه ، رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه .
قد يكون الجسد كله مُعافاً الا جزءاً يسيراً قد استأثر به الألم و طغى عليه ، فلا يملك الجسد و الذي هو كله لُحمة واحدة الا السهر قلقاً و خوفاً على هذا العضو المصاب ، و قد يبلغ به الأمر الى الإصابة بالحمى ، و إنبعاث الحرارة من كل اجزائه في منظومة شعورية يتجلى فيها إبداع الخالق سبحانه و تعالى ، توحي بقوة التماسك و البنيان ، و ليرتقي الجسد في هذه الشريعة الراقية فيتجاوز إطاره المادي ويُصلح بما انتظمه من آلام و معاناة لإن يكون مثلاً من الأمثال و التي لا يعقلها الا العالِمون .
و ليقتدي المجتمع المسلم فيما يجب ان يكون عليه من التواد و التراحم و التعاطف بهذا الجسد ، فليس من الضروري ، و لا هو مقبول شرعاً و لا عقلاً ان يُصاب جميع افراده بنفس المشكلة حتى يشعر بعضهم ببعض ، و قد يُحسن صاحب المشكلة او الابتلاء عرض معاناته و قد لا يحسن ذلك ، و قد يملك من لم يبتلى بمثلها من فضل الزاد ما يعود به ، فإذا هو حكمة في العرض ، او محاولة الوصول الى حل ، او قدرة على التعبير لفظاً او كتابةً ، او عوداً بالمال او الجاه ....الخ ، و الناس في ذلك يتفاوتون .
و المرأة بما جُبِلت عليه تميل الى الحديث عما يختلج في اعماقها ، قد تكون صاحبة لسان ، و لكنها ليست بصاحبة قلم تُحسن من خلاله عرض ما تشكو منه ، و تتمنى الوصول الى حل له ،
و المجتمعات النسائية تعج بمثل هذا ، فهل يُشترط لمن كانت من صاحبات القلم ان تنتظر حتى تعايش نفس الألم الذى تكابده صاحبة الشكوى حتى تكون اكثر صدقاً و حرارة في السرد و العرض ، و الا فأين يقع التواد و التراحم و العودة بفضل الزاد ؟
إنك أحياناً ، بل و كثيراً ما تتعايش مع حدث ما بكل جوارحك ، و يملك عليك فكرك و يؤرقك ن و يشغلك ، و لا ترتاح حتى تبثه حروفاً على اوراقك ،
قد لا تكون على علاقة بهذا الحدث من قريب او بعيد ، و لكن من باب التكافل الانساني و الشعوري ، و الذي نستمد قيمه من هذا الدين ، ترى ان هذا اقل ما يمكنك القيام به ، و عندما تصل الى قمة التوحد مع ما كتبت ، تاتيك التعليقات و كانها لمست بذوقها الرفيع و حساسيتها المرهفة ، ان هذه معاناتك انت .
و هذا إن كان دليل على نجاحك في ان تصل بتصويرك للإحداث حتى تلامس هذه القلوب الحنونة و تلك العقول النيّرة ، إلا ان هنا بعض السلبيات نقف عندها
إن هذا قد يقعد بالكثيرين عن الكتابة و التعبير عما تعاني منه مجتمعاتنا من علل و أمراض ، ظناً منهم أنه لا بد من معايشة وقائع الحدث معايشة تامة ، و هذا غير صحيح على إطلاقه .
و يقعد بطائفة اخرى اكثر حساسية ، فلا تُسطر ثمين تجاربها في هذه الحياة خوفاً من ان يُتداول ذلك على أنه معاناتها الشخصية .
و ينحى بطائفة ثالثة أن تحسب حساب كل كلمة تكتبها ، فتُحرم الانطلاق و العفوية ، و ينشا من التكلف و التصنع و التدقيق ما قد يُذهب بالكثير من براءة عفو خواطرنا ،و طفولة مشاعرنا ، و كل مولود يُولد على الفطرة !.
إن هذا قد يؤثر بشكل او بآخر على موضوعية النقد و التعليق ظناً من القارئ أن هذه ما هي الا معاناة شخصية قد تستجلب فقط بعض الأدعية او المشاركة الوجدانية بألفاظ عذبة رقيقة ، مما يفصل القضية عن السياق الذي وُضعت فيه ، حيث يتوقع من طرحها توسيع دائرة النقاش حولها سواء بالإضافة او الاعتراض المؤيد بالأدلة ، او استكمال ما فات الكاتب ، فالفائدة متحققة على كل الأحوال .
إن التعود على هذه الممارسة يورث لوناً من الوان التبرير كثيرا ما نمرر من خلاله ، و نغض الطرف عن تقاعس النفس عن البذل و الجهد في إعمال العقل و عصف الذهن للإستدراك و التخريج ، و اشد ما تلحظ ذلك في التعليقات على ما يطرحه العلماء و الدعاة ، حيث الشكر و الثناء ، و أنهم ما تركوا مجالاً لإضافة او زيادة ، و في هذا قسوة على صاحب الطرح حتى و لو كان عالِماً ، يُحرم بها الكثير مما قد يُفيد او يُعدل ، و يختزل الكثير من إيجابية و تفاعل الآخر ،
و قد يلحظ المشاهد للوحة فنية تفاصيل و دقائق ، لعلها غابت او لم تترائ لمن قام بتلوينها و رسم خطوطها .
ما اخال هذه الزاوية أنها قد اُستحدثت إلا لتكون ساحة ، لا للوصول الى النضج في الكتابة فحسب ، بل و ممارسة هذا النضج تعليقاً و نقاشاً و استيعاباً و اقتراحاً ، نتجاوز بذلك مرحلة البوح و التخفيف،
و لِتُعاد صياغة الشخصية المسلمة بما يتوافق و حاجة امتنا ،
و ما ابرئ نفسي ،
و الله تعالى اعلم . ً |