قِطـــاف (1) ومع أذان الفجر الجميل نهضت من فراشي على غير العادة
وكأن المساء قد أوحى إلي ( برؤيا ) , والأحلام باتت تزودني بالحنين ( لرؤية ) !
لملمت أغراضي على عجل , حقيبتي التي ستحمل حاجياتي
وسأحملها , بِساطي , قبعتي .. وأخيراً ربطت حبال
حذائي وبدأت الرحلة ..
لم أطل في المسير حتى أشرقت الشمس , ولم تشرق الشمس إلا
وقد أصبحت على مشارف الغابة وارفة الظلال , فلم
يكن لشعاعها مني نصيب إلا ما عجز تشابك الأغصان
عن احتوائه , وعييت بيميني فوق قبعتي أحجبه عن
وجهي , وخصلاتٍ من شعري تلاحقني في هرولتي
بانسياب قد انسدلت من
تحت القبعة لتعبث بها نسيمات الصباح ..
أخذت أجوب وأتنقل , وأنتقي وأتنفل , وكل غصن يحكي
قصة جميلة , وكل شجرة تحمل حكمة جليلة ..
وبين جنبات غابة المعرفة صادفت شجرة
وعلى الجذع بصمة يد ( د. يوسف القرضاوي ) , والجذور
كانت عنواناً يحكي" أصلها ثابت " بكلمة
" كيف نتعامل مع السنة النبوية " , وتعهد الغراس ليتفرع في
سماء الكون " معهد الفكر الإسلامي " , وانتشرت الثمار
لتؤتي الأُكل بفضل " دار الشروق " ..
لم يحن الغروب إلا وقد أخذت نصيبي مما جنيت من ( قِطاف )
فكانت المعين لي على مواصلة السير حتى
زوال الشمس ..
وضعت سلتي .. أنزلت قبعتي من على رأسي , توسدت حقيبتي
وافترشت بساطي فكانت لي السماء غطاء ..
و لم يمضِ كثير من الوقت حتى ظهر القمر بازغاً لم يمنع ( اشتداد نوره *) ( ذرات من ضوء نجم *) أن ( تومض برقة ) وتنافس
ناظري بطول التأمل ..
لم يشأ أن يتخلى هذا ( الرماديُّ المنير ) عن تجبُّر كان
من طبعه حين رآها تنافسه , فأخذ يحكي لي ـ مُسامراً ـ قصة ( كمُلَ ) , و ( كثير ) و ( أربع ) !
قال لي , هن ( أربع قد كمُلن ) , وبقي للكمال ( الكثير إلى قيام
الساعة ) !!
انسل من ( الجهل ) لكنه ( نسي ) ولم نجد له عزما ..
لم يعلم بأن لمنازله ( تربيعات ) وفي الرابع عشر ونصف فقط
( يكمل ) ليكون ( بدرا ) , فظن بأنه حتى حين
يتضاءل ( كالعرجون القديم ) فالتذكير فخر لانهلاله !!
حالت بينه وبين أن يتأمل هذا النجم الوامض ( أنا ربكم الأعلى ) , ولو أنه
اقترب قليلاً ونزل من برجه لأدرك بأن ( النجوم ) ( أقمارٌ ) تبزغ
وتضيء في مجموعات أُخر , كما أن (* النجم ) ( * قمر ) ..
ومع ذلك هاهو يشاكسها لا لشيء إلا ليشعر بالأمان
ويخفف أنين وحدته وغربته , فلاشيء يسامره في بهيم الليل
كـ ( همس القوارير) !!
هاهو ذا ( يسبقني ) ليصنع ( النزاع ) حتى يتهمني ( بالثرثرة )
ويتغافل عن ( جهاد الدفع ) الذي بعت فيه جدائلي
ومارست فيه دوره , من غير أن تتأثر ( وهو في الخصام غير مبين )
وانشغل هو بالزرع , وليقول لي استطردتِ عن
مواضيعك , وبعيداً عن خلق الرجل " أشد حياءً من العذراء "
يقول : تشرنقي في خدرك فقد فتنتِ , وعن " كلكم راعٍ " : قَرِّي
في البيت فلقد أضعتِ الرعية !!
وها أنا بعد الدفع أعود / وفي رحلتي مع الدكتور القرضاوي , اختلطت علي الأوراق
وتسائلت في أي قضية سأتحدث , وأي فصل
أورد , ومن أي شيء أستفيد ..
فآثرت استخدام أداة الربط أصوغها كمقال يطرح عدة قضايا
تحتاجها الأمة بمجتمعها والأفراد
أزمـة الأمـة أزمـة فـكـر إن من أول ما تقوم عليه الأمم في كل مكان وزمان
هو الفكر والمنهج الذي يرسم القانون والفلسفة التي تسيِّر أفرادها
وجماعاتها وتشملهم ثم تتعداهم لتحكم علاقاتهم ( بالآخر ) , فمن أسّسَّ
بُنيانه على تقوى من الله ورضوان خيرٌ ممن أسس بنيانه على شفا
جُرُفٍ هارٍ فانهار به في نار جهنم ..
و كما تشمل هذه القاعدة الأمم باختلاف توجهاتها الفكرية والعقدية
فعندما نضيق الدائرة ونخوض في العمق سنجد حاجتنا ماسة لإعادة
النظر في حركاتنا الإسلامية والتي كان مبناها على مظاهر قد قلصت
فيها شرع الله ومنهجه , فقضية الأمة اختزلت في ( الجهاد )
ومشاكل المرأة في ( الحجاب والتبرج ) , وفسوق الرجل
في (أسفل وجهه ) و ( ما تحت إزاره ) !!
لا أقول هذا معممة حال الأمة في هذه الحركات والجماعات بقدر ما
أبين وجهة وطريقة سار عليها الكثيرين وربما كانت مشكلتنا فيها هي
( بروزها ) واتضاح معالمها وانتشار أخبارها وليس شرطاً كثرتها وطغيان
وجودها , وإن من أكثر ما تجرأت فيه المعتزلة في رد الصحاح
حديث " بني الإسلام على خمس " بحجة أن الجهاد كان
لابد أن يكون من الأركان فبه يحفظ
حمى الإسلام !
وما كان المبنى على خمسٍ إلا دليلاً على مقاصد الدين العظيمة
وغاياته الكبيرة , فالتكليف للفرد يشمله أولاً طولاً وعرضاً وعمقا ..
وبهذا ينعكس على الأمة بأسرها وينعكس على أحوالها
العامة وقضاياها التربوية والسلوكية
والاجتماعية والسياسية ..
طولاً على امتداد لحظاته
" في السنة حج , وفي الشهر صوم وزكاة , وفي اليوم صلاة " . وعـرضــاً في شتى شؤونه
" صلاة في بيته ومسجده , وزكاة من ماله لإخوته , وصوم
مع أهله وأمته , وحج يشهد منافع له " . وعمقاً في أغوار حياته
" شهادة في القلب , وصلاة للبدن والروح وزكاة مطهرة
للمال , وصوم في ذمته وحسب نيته ولله ويجزي به
وحج للبدن والروح "
و قبل ذلك كله فالإيمان في القلب الذي إليه الله ينظر والرسالة عقدية
تخضع لها أحكام فقهية , وما آمنت به ولم تمارسه
معصية أو كبيرة , لكن ما لم تؤمن به وإن مارسته
أدخلك ذلك في دائرة الكفر ـ عياذاً بالله ـ
ونحن قلبناها فكانت الداهية لدينا في الأخطاء الظاهرة والفقهية , و
حتى من الأحكام الفقهية ما يسير في هذا المسار , وربما كان
من الناس من يجعله التضييق في الظواهر يضيق
ذرعاً بالدين باطنا ..
من هذا المنطلق الذي يؤسس للأمة دعائمها , من منطلق الفكر
السديد وفقه الأولويات والواقع كان لنا أن نقف مع ما نتلقاه
من الثابت ونحدد مساراً للأخذ والرد , ومن ذلك التثبت
من السنة , وحسن تأويلها والتعامل معها , فأمتنا اليوم
تقتات فئاتها المتعلمة من بإحدى ثقافتين :
ثقافة تاريخية موروثة لها كل ما لعصور وبيئات إنتاجها من
خصائص , وثقافة مستوردة مترجمة ؛ ويقف العقل المعاصر
بين هذين المصدرين موقف المنفعل والمستهلك
الثقافي , وماكان لعقل عاجز عن الفعل , قانع بدور
الانفعال عاجز عن الإنتاج الثقافي مكتفٍ بالاستهلاك أن يبني
دولة , أو يصنع حضارة . فكان لزاماً على الأمة لنهضتها :
إعادة قراءة الثابت بوعي وفهم دقيقين , ونظر إسلامي معاصر
قادر على ملاحظة جميع المؤثرات , وسائر الأبعاد
لاستلهام المقاصد ومعرفة الغايات , وتبيين الكليات
واستنباط المنهج اللازم للاستجابة الإسلامية لتحديات المرحلة
وإعادة مقومات الأمة ..
منهج تعاد قراءته بحكمة وبصيرة تراعي في السنة اختلاف النسبة
بين العصور , وتفرق بين ثابتها ومتغيرها وترد
الدليل للمقصد القطعي
وتفتح الأبواب التي غلقت بسبب تعصب لكل ما هو قديم وسني من غير
التفات للملابسات والظروف التي ورد فيها الحديث , وسطاً بين
الحرفية والظاهرية في التعامل مع السنة , والتهاون
في التأويل لدرجة تنافي الشرع
أو العقل أو اللغة ..
وبطريقة موضوعية سلسة تناسب العقل المعاصر بتعقيداته الثقافية .
فالقرآن لم يكن كتاباً ( مفصِّلاً ) بقد ما كان ( مؤصِّل ) , و( عرض )
على كل فن , ولكنه ( لم يخض ) في كل تفصيل , والظاهرية والحرفيين عمدوا
إلى نبذ ( ما لم يرِد ) , والقاعدة هي ( رد ما يناقض ) فضاقت الآفاق على
أصحاب العلوم وطلاب التأصيل والتأمل في المعاني
العميقة التي تخدم أهدافهم ..
كما أن طرف النقيض الآخر بالغ في التأويل فنسب دلالات لا تصح
ولا تقبل فأدخل على الدين ما ليس منه لحدود الخرافة والتفاهة ..
فكم نحن بحاجة إلى أن نسير بالسنة نحو الجمع قبل
الترجيح , وإن كان الاستشهاد في فنون شتى ومعارف
مختلفة , فلا يتعارض النقل الصحيح مع العقل
الصريح , وشمول المنهج
يتسع للجميع ؛ هذا على مستوى العلوم والمعارف مجملاً ,
وتفصيلاً في علوم الدين فقد ظهرت ظاهرة أشار إليها المؤلف بين
علماء الحديث والفقه بأن انعزل كل بعلمه
فحدث القصور والخلل , فالفقيه بحاجة إلى أن يخوض في علم
المصطلح والجرح والتعديل ليبني أحكامه وفتاويه على ما يصح
سنداً ومتنا حسب ما يقرره المشتغلون بهذا الفن ..
كما أن على المشتغل بالحديث أن يكون ذا علم بالفقه ليدرك من
خلاله مقاصد الشرع وكلياته ..
ختاماً أشير سريعاً على تفشي الفهم الخاطيء عن الدين
فما كان من المعتزلة اعتقاداً أصبح لدينا ممارسة عملية حتى
أن الجهاد صار هو الواجب الأول , نتاج ثقافة تكرس أحكاماً سطحية
عاطفية متسرعة تفسد أكثر مما تصلح , وتبث الوهن في
الأنفس , فلربما كان أحدهم مقصراً في حق نفسه أو أهله أو
مجتمعه وبحاجة لدفعة تدفعه للإنجاز فبدل أن يستثمر المصائب
التي تلم بالأمة في إيقاد شعلة عزيمته نحو واجبه الذي لا
ينفصم عن الأمة يبعثرها في التحسر على عجزه
عن الواجب الذي استحدثه لنفسه .. فهو بذلك منشغل عن هذا القريب القادر عليه
بهم ذلك البعيد المتعسر أمره .
: أعزائي القراء إلى رحلة أخرى .. وقـطافٍ قادم كـونـوا بـخيـر
__________________ إن الفتاة بحاجة إلى أن تؤمن مستقبلها , ليس فقط وهي بنت العشرين , بل وهي بنت الثلاثين والأربعين والخمسين , بل وهي تجلس إلى سن الشيخوخة والكبر , لتحمل معها الذكريات الجميلة , لا أن تجد في تاريخها ما تستحي أن تتحدث عنه عند أبنائها وأولادها وأحفادها . ( د . سلمان العودة )
على الموضوع الراقى والمعلومات القيمه
موضوع رائع
مشكوره عليه
ودام قلمك لنا
وعقلك المستنير
لكى منى كل الاحترام على موضوعاتك
وخصوصا هذا الموضوع
__________________
الحب كالطفل… يتغذى ويتنفس .. فينمو ويكبر … فإن أنت أرضعته لبناً طاهراً.. شبّ بين يديك يوماً بعد يوم ليملأ حياتك بالسعادة.. أما إن أرضعته من نفايات نفسك.. فلا تعجب إن مات مسموماً !!!
علي الحمدان / صدارة ( وقعت بها ) على مشاهدة
العرض الأول , غالي الثمن
علَي , يكلفني أمطاااراً من الشكر
أجزلها لأخي علي ..
وسيحفظ مقعد فارغ ( درجة أولى )
لن يملأه سوى ( عودة ولو بالهمس )
: الذهبي /
حضور يشرفني ..
ووعد يشوقني لعودة .. فلا تطِل ..
: ومضة أمل /
كفى الكلمات شرفاً ( احتفاظك ) بها
أهلا بالحبيبة ..
: الصغيرة أبرار /
ثناء أفخر به من صغيرة كبيرة !!
حيّ هلا
: هيـمة /
ولك مني كل التقدير
أفخر بك أخاً وتتشرف موضوعاتي
بإعجابك .
سلمك الله ..
: عهـ Ohoodــود /
خالص الود لكِ عزيزتي
وزاد شوقي لرحلة وقِطاف قادم
أنه قد حظي منكِ بشغف ..
شوق يلح علي فلا أنسى .
__________________ إن الفتاة بحاجة إلى أن تؤمن مستقبلها , ليس فقط وهي بنت العشرين , بل وهي بنت الثلاثين والأربعين والخمسين , بل وهي تجلس إلى سن الشيخوخة والكبر , لتحمل معها الذكريات الجميلة , لا أن تجد في تاريخها ما تستحي أن تتحدث عنه عند أبنائها وأولادها وأحفادها . ( د . سلمان العودة )
آه يا ماكرة ، تقرأين السطور و ما بين السطور و الهمسات حتى تتشربينها ،
نعود لموضوعك يا د. عائش
ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، إياكِ تنسي يوماً أن البداية كانت من هنا ،
و مثلي تقرأ لتتعلم و تقتنص الخلاصة و الحكمة من قولك الذي أسطره و احتفظ به
(فهو بذلك منشغل عن هذا القريب القادر عليه
بهم ذلك البعيد المتعسر أمره .)
و لكن في قولك (أن الجهاد صار هو الواجب الأول , نتاج ثقافة تكرس أحكاماً سطحية )
ألا ترين أن لفظة (القتال) هي الأقرب ،
بداية موفقة ، و في انتظار المزيد .
__________________
إنني لم أعكر صفو حياتهم أبدا ,, إنني فقط أخبرهم بالحقيقة .. فيرونها جحيما .. !