إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

رسالة جامعية( الإمام الشوكاني شاعراً)

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • رسالة جامعية( الإمام الشوكاني شاعراً)


    الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد
    كلية اللغة العربية _ الدراسات العليا

    International Islamic University
    Faculty of Arabic –
    Islamabad – Pakistan






    الإمام الشوكاني شاعراً





    بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير

    إعداد الطالب
    حياة الله عتيد

    تحت إشراف
    الأستاذ الدكتور/ مؤيد فاضل رشيد




    خذ نفسك بالتقوى،وعامل غيرك بالفتوى

  • #2


    الجامعة الإسلامية العالمية _ إسلام آباد
    كلية اللغة العربية - الدراسات العليا



    أجريت مناقشة الرسالة التي قدمها الطالب /حياة الله ( عتيد )
    بعنوان:

    الإمام الشوكاني شاعراً



    بتاريخ:
    22/04/1426هـ
    الموافق: 30 /05/2005م


    ومنح صاحبه درجة الماجستير في الأدب العربي، بتقدير: ( ممتاز )



    أعضاء لجنة المناقشة وتوقيعاتهم

    1.المشرف على البحث الأستاذ الدكتور/مؤيد فاضل رشيد
    2.المناقش الخارجي الأستاذ الدكتور/محمد إبراهيم عبد السلام
    3.المناقش الداخلي الأستاذ الدكتور/ محمد علي غوري



    خذ نفسك بالتقوى،وعامل غيرك بالفتوى

    تعليق


    • #3
      إهداء


      إهداء
      • إلى من ورثت منه حب العلم.
      • إلى من كان مدرسة ذات نهج وهدف.
      • إلى من ربى أجيالا من العلماء في ضروب من العلوم.
      • إلى من حرمت من حنانه وشفقته إذ رحل مني وكنت صبياً.
      • إلى من كان له مكانة عظيمة في قلوب الناس لدماثة خلقه وصفاء سريرته.
      • إلى روح والدي رحمه الله تعالى.

      • إلى من أمر ربي بالإحسان والبر والدعاء لهم:
      • إلى الغالية الكريمة التي سهرت الليالي والأيام على تربيتي ورعايتي.
      • إلى والديّ الكريمين... داعياً:
      ((رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ))
      و(( رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ))

      • إلى أخي الكبير(مولوي هداية الله آخند زاده) رمز التضحية والإخلاص والعطاء قائلاً:
      ((رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ))
      إليهم جميعاً أهدي ثمار هذا العمل.

      الطالب/ حياة الله (عتيد)
      خذ نفسك بالتقوى،وعامل غيرك بالفتوى

      تعليق


      • #4
        شكر وتقدير

        شكر وتقدير

        بداية أشكر الله العظيم الذي أنعم علينا بنعمه الكثيرة،وكما وفقني لإتمام هذا البحث.
        * ثم انطلاقاً من قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم القائل: (من لم يشكر الناسَ لم يشكرالله)) ( وقوله (ومن أتى عليكم معروفاً فكافئوه فإنْ لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه)) ( وعملا بهذا المبدأ الأخلاقي الخالص أتوجه بالشكر الجزيل إلى:
        * أستاذي الدكتور/مؤيد فاضل رشيد الذي درسني منذ الكلية (بيشاور) بكل حب وإخلاص،ثم سعى في التحاقي بالجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد، ورعى هذا البحث منذ أن كان فكرة ثم خطة مقترحة ثم تفضل بالإشراف عليه، فقدم لي النصح الصادق والتوجيه السليم،وبذل من الجهد ما يصعب وصفه فجزاه الله عني وعن طلاب العلم خير الجزاء.
        * شكري وتقديري لأستاذين الكريمين الأستاذ الدكتور/ محمد إبراهيم عبد السلام والأستاذ الدكتور/محمد علي غوري والذين سيتفضلان بمناقشة هذا البحث وإفادتي بملاحظاتهما القيمة وتوجيهاتهما السديدة.
        * كما أتقدم بشكري وتقديري لأسرة كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية -ممثلة في عميدها وأعضاء تدريسها-التي فتحت أبوابها لطلاب العلم من 62 جنسية لمواصلة دراساتهم.
        * أسمى آيات الشكر والتقدير إلى الإخوة الأفاضل في إدارة اللجنة السعودية لإغاثة الشعب الأفغاني،وأخص بالشكر منهم مديرها الإقليمي سعادة الدكتور/خالد محمد العثماني وسعادة/ رئيس قسم التعليم والتوعية الأستاذ/عبد الله حمد الرشيد، والذين أتاحوا لي التوفيق بين العمل والدراسة.
        * أصالة عن نفسي ونيابة عن زملائي الطلبة المتفوقين نتقدم بالشكر الجزيل إلى أخينا الحبيب الدكتور/ صالح بن عمر بادحدح على تكرمه بإعطائنا منح دراسية والتي كانت لنا خير عون لإكمال دراساتنا فله منا الدعاء ومن الله الأجر العظيم إن شاء الله.
        * كما أشكر إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، والتي أرسلت إليَّ حمل بعير من المصادر والمراجع والتي كانت لابد من وجودها في كتابة البحث.
        * ولا أنس زملائي الأحباب -حبات القلوب الذين أذكرهم عند الغروب- والذين ساعدوني بكل ماعندهم من الوقت والجهد في رعاية هذا البحث من المراجعة والطباعة وأخص منهم شقيقي سلطان محمد زنداني.

        أسأل الله تعالى أن يوفقهم لخدمة الإسلام والمسلمين، وأن يجعل جميع أعمالهم وأعمالي خالصة لوجهه الكريم إنه بذلك قدير وبالإجابة جدير.
        الطالب/ حياة الله عتيد
        خذ نفسك بالتقوى،وعامل غيرك بالفتوى

        تعليق


        • #5
          المقدمة


          المقدمة
          الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه... وبعد:
          لقد عرف العالم الإسلامي محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني، الصنعاني(1173هـ-1250هـ) علامةً، فقيهاً، أصولياً، مفسّراً، محدّثاً، محققاً، مؤرخاً، لغويّاً، أديباً، شاعراً، قاضياً، مصلحاً، سياسياً... وتشهد لذلك كتبه ومؤلفاته المشهورة والتي قد لا تستغني عنها مكتبة من المكتبات الإسلامية ولقد أوتي الشوكاني مقومات الشاعرية من موهبة الإبداع وملكته ومن فنون العلم وضروب التجارب ما يثقف به الموهبة ويصقلها، و كان-رحمه الله- عالماً بالعربية وفنون الأدب وأغراض الشعر ومناحيه، عرف السبيل اللاحب إلى تحقيق مقاصده فاختار له أن يكون نظماً شريفاً لأن مقاصده شريفة، وحددّ معالم المقاصد بعد أن شامها ببصيرته وعرف الطريق إليها بالكلمة المنظومة في سلك شعري رزين.
          لم يكن اهتمام الإمام الشوكاني بقول الشعر كثيراً لأن اهتمامه الجل كان بالدروس الدينية والعربية التي كان يلقيها، أوبالتقريرات العلمية التي كان يكتبها، وإن كانت الموهبة الأدبية متأصلة في نفسه، وبه ميل عظيم إلى تنميتها؛ وكان-رحمه الله- يقول الشعر للأسباب الكثيرة التي تدعو إلى قوله، وإن كان أغلب شعره في الجانب العلمي من ثقافته المتنوعة الضاربة في كل ميدان من ميادين العلوم والثقافة من ناحية، واتضح ببرد(المطارحات الإخوانية) ذات الأسلوب الخاص والفكرة المحدودة من ناحية أخرى.
          فهو لا يقول الشعر إلا إذا دعت إلى قوله الحاجة، كالإجابة على سؤال علمي، والرد على رسالة شعرية من أحد أصدقائه ونحو ذلك، بالإضافة إلى أن الإمام قد كان رجلاً اجتماعيا يشارك شعبه في الأحزان والأفراح وغيرها من الحوادث؛ فمن المتوقع جداً أن يكون قد شارك فيها بأدبه – شعراً ونثراً-. ولعل الديوان الذي جمعه ابنه علي الشوكاني، ورتبه في حياة أبيه أوفى من هذا المجموع .
          إن الإمام الشوكاني وإن كانت له أشعار، إلا أنه غير مكثر كشيخ من شيوخه الكرام الأمير الصنعاني محمد بن إسماعيل - مثلاً- وغيره من أصحاب الإنتاج الشعري الوفير في عصره ووطنه ، كما يعترف هو في كتابه (البدر الطالع ) في مختلف صفحاته ... هذا، وبعد نظرة في ديوانه (أسلاك الجوهر ) الذي يقع في (382) صفحة يدرك القارئ قيمته الأدبية والتاريخية،و – طبعاً- ليست العبرة بكثرة الإنتاج بل بقدر ما فيه من معان، وما أفعم به من تعبيرات جميلة تصور لنا صدق المعاناة التي مر بها الشاعر فصبغته بصبغتها،واستطاع أن يترجم عنها بدقة،وأن يوصلها إلى مستوى النضج الفني المطلوب في الأدب ،ولعل هذا قد توفر للإمام الشوكاني في شعره .
          أهمية الموضوع وسبب اختياره:
          إن الشعر ديوان العرب، فمن الجدير أن يكون للعلماء منه حظ وافر، والفقهاء لهم إلمام بالأدب والشعر، على وجه الخصوص والتراث العربي شاهد على ذلك... كنت أحلم قديماً بأن أدرس شعر جميع الفقهاء، ولكن تبين لي عند التجربة ونزولي إلى الميدان أن الأمر أكبر مما كنت أتصوره، فليس من وسع الباحث دراسة شعر جميع الفقهاء، وهذا أمر ينوء بالمجاميع العلمية المتخصصة، ويأخذ الوقت الأطول والجهد الأكبر، أخيراً فكرتُ في دراسة شعر أحدهم؛ فبعد البحث والدراسة فإذا بعيني تقع على "أسلاك الجوهر"ديوان الشوكاني الموجود في مكتبة الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد وتصفحتُ بعض صفحاته وقرأتُ فيه بعض المقطعات من شعره فكلما قلبتُ صفحاته كان ازداد إعجابي بشعره، ومما شجعني أن أكتبَ في الموضوع هو قلة اهتمام الدارسين بشعره، وقلة معرفة الناس في عصرنا عن أدبه عموماً وشعره على وجه الخصوص؛ لذلك أردتُ أن أكتب في هذا الموضوع خدمة لشعره وإحياءً لذكراه؛ فبدأت مشمراً عن ساعد الجد بدراسة شعره مستعيناً بالله ومسترشداً بالآراء السديدة التي يوجهها لي الأستاذ المشرف....
          واقتضى منهج البحث أن أقسم الموضوع إلى:
          مدخل
          وفيها أهمية الموضوع ودوافع اختيار ه، ومنهجي في الكتابة
          ويتبعها مدخل إلى الموضوع بعنوان :
          أحوال عصره:
          وفيه:
          أولاً: الحالة الدينية.
          ثانياً: الحالة السياسية
          ثالثاً: الحالة الثقافية والعلمية.
          رابعاً: أحوال الشعر في عصره.
          وانتهيت من مدخل إلى الفصل الأول وعنونته بـ:
          حياته وشعره، وبعض القضايا النقدية في شعره
          ويحتوي على ثلاثة مباحث
          المبحث الأول: حياته وأعماله،:
          وفيه أربع مطالب:
          المطلب الأول: نسبه ومولده وثقافته.
          المطلب الثاني: مذهبه وعقيدته.
          المطلب الثالث: أساتذته وتلاميذه:
          المطلب الرابع: مؤلفاته،ووفاته.
          المبحث الثاني: مظاهر شعره العامة.
          وفيه ثلاثة مطالب:
          المطلب الأول: مصادر شعره.
          المطلب الثاني: حجم إنتاجه.
          المطلب الثالث: نفسه الشعري.
          المبحث الثالث: القضايا النقدية في شعره.(المطلع+حسن المقطع+وحدة القصيدة)
          خصصتُ الفصل الثاني:
          لـموضوعات شعره وفيه:
          أربعة مباحث :
          المبحث الأول: النوع الأول من شعره: (التقليدي ) وفيه:
          أولاً: الشكوى . ثانياً: الفخر والحماسة.
          ثالثاً: العتاب رابعاً: الوصف
          خامساً: المدح سادساً: الرثاء
          سابعاً: الحكمة ثامناً: الألغاز
          تاسعاً : الزهد عاشراً: الفلسفة..
          الحادي عشر: المعارضة.

          المبحث الثاني : شعره الديني.
          المطلب الأول :الدين والعقيدة .
          المطلب الثاني : الأدعية والمناجاة .
          المبحث الثالث : شعره العلمي :
          المطلب الأول : أجوبة علمية .
          المطلب الثاني : إجازات علمية .
          المبحث الرابع : الاتجاه السياسي والاتجاه الاجتماعي في شعره :
          المطلب الأول : السياسي ,
          المطلب الثاني : الاجتماعي .

          الفصل الثالث :
          الخصائص الفنية لشعره :
          المبحث الأول : الموسيقى الشعرية .
          المطلب الأول : ملائمة الألفاظ للأغراض.
          المطلب الثاني : على مستوى المفردات و التراكيب .
          المطلب الثالث : العاطفة الشعرية (التجربة الشعورية ).
          المبحث الثاني : الصناعات البديعية في شعره .
          المبحث الثالث : الصور البيانية عنده.
          الخاتمة :
          وفيها نتائج البحث و التوصيات
          قائمة المصادر والمراجع.
          المنهج المتبع في كتابة البحث:
          بعد قراءة فاحصة في مصادر شعر الشوكاني نظمت المادة العلمية من المسودات وأدخلتها إلى جهاز الحاسوب مع حرصي على صحة التعبير محاولاً الاعتماد على المصادر الأصلية إن وجدت وإلا اكتفيت بالمرجع مراعياً التوثيق العلمي في الهوامش حسب أصول البحث من ذكر اسم الكتاب ومؤلفه ودار النشر ومكانه ورقم الطبعة وتاريخها إن وجد، وإلا فأرمز بـ(ب.ت) أو أكتب (بدون تاريخ) وأذكر جزء الكتاب والصفحة عندما يرد ذكره لأول مرة ،وأكتفي باسم الكتاب والجزء والصفحة للمرة الأخرى .
          والآيات القرآنية التي وردت في البحث للاستشهاد بها ذكرتها في الهامش مع اسم السورة ورقم الآية، وخرجت الأحاديث فذكرت اسم الكتاب والباب الذي ذكر فيه الحديث ورقمه إن عثرت عليه، وكما اتبعت أسلوب تخريج الأبيات من المصادر التي وردت فيها.
          شرحت الكلمات الغريبة الواردة في الأشعار معتمداً على أصول كتب المعاجم مثل "لسان العرب" و"الصحاح "وغيرها.
          ترجمت لمعظم الأعلام من الشعراء والأدباء الذين وردت أسماؤهم في البحث إلا إذا كان عالماً معروفاً أو شاعراً مشهوراً ولا يُحتاج للتعرف عليه فتركته دون الترجمة له مثل: المتنبي وأبي تمام وغيرهم؛ لأن المعروف لا يعرف-كما يقال- وأشرت إلى مصادر بعض الأعلام الذين لهم علاقة وطيدة بالشوكاني لمن أراد الاستزادة.
          هذا، وأراعي في البحث أموراً منها:
          حينما أذكر كلمة: " الإمام" أو"الشاعر" أو"شاعرنا" دون ذكر أي أسم معها فيراد بها الإمام الشوكاني.
          اهتم باستعمال التاريخ الهجري في التراجم وغيرها إلا إذا تعذر الأمر فأذكر التاريخ الميلادي عندئذ، وأما بخصوص التواريخ القديمة التي تسبق زمن الهجرة النبوية فأعتمد على التاريخ الميلادي؛ لأنه لابد منه.
          ومن المناسب أن أذكر بأنني واجهت بعض المشاكل في طريق هذه الرحلة الشاقة الممتعة معاً مع شعر الإمام الشوكاني مثل: قلة وجود المصادر والمراجع في باكستان، والتوفيق بين العمل والدراسة إضافة إلى كثرة الأشغال ، وحيث أن الواجبات أكثر من الأوقات.

          • هذا، وبلا شك إن دراسة شعر الإمام الشوكاني يحتاج إلى جهد أكبر وبضاعة أدبية غير قليلة، وإنني إذ أكتب عن شعره أعترف بضعفي وتقصيري كإنسان يخطئ ويصيب، فإن أصبت فمن فضل ربي وتوفيقه وأحمده عليه، وما كان فيه من هفوات فمن نفسي الضعيفة ومن الشيطان اللعين، وحسبي أني توخيت الصواب، وأسأل الله –جلت قدرته- أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه وسعياً لرضاه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه وعونه وتسديده...واستغفر الله تعالى العلي العظيم وصلى الله على محمد.

          الطالب/ حـيـاة الله عـتيـد
          إســــــــــــلام آبـــــاد
          خذ نفسك بالتقوى،وعامل غيرك بالفتوى

          تعليق


          • #6
            المدخل1




            إن المتأمل في تاريخ البشرية، ليوقن جازماً أن الإنسان صنعة بيئته وعليه تظهر بصماتها، فيتفاعل معها وتؤثر فيه وعلى قدر الرجال يكون التأثير والتأثر، وكم حفظ لنا التاريخ حكايات رجال أوسعوا صفحاته مآثر وفضائل وخلد ذكرهم عبر العصور،
            وإنما المرء حديث بعده
            فكن حديثاً حسنا لمن روى




            والإمام الشوكاني واحد من هؤلاء الرجال، عاش في النصف الأخير من القرن الثاني عشر وبدايات القرن الثالث عشر الهجري (1173-1250هـ)وبما أن دراسة شخصية أديب ما لا يمكن بمعزل عن مجتمعه وعصره لما لحوادث العصر وظروف المجتمع من تأثير بارز في تكوين شخصيته، وتحديد اتجاهه وذوقه ونتاجه الأدبي ؛ من أجل ذلك أود قبل أن أدخل في الموضوع أن أشير إلى أحوال العصر الذي عاش فيه الإمام الشوكاني من خلال التطرق للحياة الدينية والسياسية والعلمية –الأدبية-في اليمن الميمون وأحوال الشعر في ذلك العصر.
            أولاً، الحالة الدينية
            لقد عاش القطر اليمني الذي ولد فيه الشاعر الشوكاني مسرحا لعديد من الفرق والمذاهب الإسلامية،من الزيدية- وهم الغالبية-ثم أهل السنة، والمعتزلة والأشاعرة والباطنية، والصوفية، فلم يكن بد في دراسة العوامل التي كونت شخصية الإمام الشعرية والأدبية من دراسة الفرق التي سادت القطر اليمني في تلك الحقبة من الزمن من أجل ذلك أود أن أتحدث عن كل فرقة من الفرق المذكورة باختصار؛ لأن شاعرنا الإمام تأثر ببعض هذه الفرق وبسبب تأثره بها قرض الشعر،وندرسه بإذن الله لاحقاً….

            الفِرَق الدّينية في عصر الشوكاني:
            1- الزيدية:
            تنتسب الزيدية إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه( 79-122هـ)
            وقد أقام دولتها في اليمن الإمام الهادي يحيى بن الحسين(145-298هـ) واستمرت دولته إلى عام(1370)هـ ولقد ولد كما يقول محمد أبو زهرة" في المدينة المنورة …وذهب إلى اليمن سنة 280هـ فوجد فيها أرضا خصبة، فبذر فيها بذراً طيبا نقيا من العلم، وعاد إلى الحجاز بعد أن تعلقت به القلوب، وصار له أتباع من أهل اليمن"
            وقام بجهاد القرامطة حسب طلب أهالي اليمن كما يرى ذلك الدكتور عبد الغني الشرجي فجاهدهم جهاداً شديداً وكان له شجاعة مفرطة، وعلم واسع، وألف الكثير من المصنفات
            وتعتبر الفرقة الزيدية أقرب الفرق الإسلامية إلى أهل السنة والجماعة فهي "لم تغل في معتقداتها، ولم يكفر الأكثر ون منها أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ترفع الأئمة إلى مرتبة الإله، ولا إلى مرتبة النبيين. ،وقد عاش المذهب الزيدي في اليمن بين مد وجزر إلى أن كان العصر الذي عاش فيه الشوكاني ويتسم عصره بصرا عات داخلية الصراعات التي حدثت في ظل حكم الأئمة والصراعات مع الخارجيين عليهم من دعاة الإمامة أو المسؤولين أو القبائل.
            كما عاصر أيضا العصبية المذهبية التي كان من نتيجتها فتنة العاصمة صنعاء عام(1223هـ) بين الروافض من الزيدية وأهل السنة وقد ذهب ضحيتها عشرات من الناس وقطعت القبائل الطرقات بين العاصمة وسائر بلاد اليمن؛ وقد كانت تستهدف الشوكاني، بعد أن وقف الإمام المنصور علي ابن المهدي العباسي إلى جانبه،.
            وكأن هذا كان دافعا لفتح قريحة الشوكاني لقرض الشعر ومعيناً له في تصوير هذه الإضطرابات في شعره، ويبدو أنه نجح من الناحية الفنية والتي سوف ندرسها بإذن الله حين دراسة شعره.
            2- أهل السنة:
            كان أهل اليمن قبيل دخول المذهب الزيدي متمذهبين بالمذهب المالكي والحنفي وعندما انتشر المذهب الشافعي شايعه اليمنيون في المنطقة الجبلية الجنوبية والساحلية وفي جنوب اليمن، وكانت الدولة الطاهرية (858-943هـ)آخر الدول السنية الجنوبية التي كانت تتولى الحكم في اليمن
            ويقول الدكتور محمد حسن الغماري بأن"المذهب الشافعي قد ظهر في اليمن في القرن الثالث الهجري. "
            وقصد الإمام الشافعي في رحلته إلى اليمن القاضي حسين الطبري وقال فيه: " لابد من صنعاء وإن طال السفر"
            ولايزال ينتشر المذهب الشافعي في المناطق الوسطى، والجنوبية والساحلية من اليمن. وقد انتشر علم السنة في اليمن حتى دخلت المذاهب الهدامة كمذهب الباطنية والقرامطة والخوارج … ولم تزل طائفة من أهل الحديث ثابتة، وكان الشوكاني أحد أفراد هذه الطائفة التي نبذت التقليد ودعت إلى اتباع السنة ، وتحصيل الاجتهاد في فهم الدليل، وكان دائما يدعو إلى سلوك منهج الحق الواضح كما يقول من (الوافر) :

            وأنا نجعل القرآن جسرا
            نردّ إلى الكتاب إذا اختلفنا
            كذاك إلى مقام الطهر طه
            وكل مخالف ما قِدماً كان
            وما في " قال زيد" "قال عمرو"
            فمصدرنا عليه والورود
            مقالتنا وليس لنا جحود
            نرد وفي الكتاب لذا شهود
            عليه الأمر تطرقه الردود
            مفاد إن تزاحمت الوفود

            3- الباطنية:
            الباطنية هم:"أتباع الإمام إسماعيل بن جعفر الصادق وهم يختلفون عن الزيدية في كثير من الأمور المذهبية، ولذلك كانوا على عداء مستمر معهم في اليمن وقد انضموا إلى العثمانيين ضد الزيديين، ولكن العثمانيين في مرحلة لاحقة عملوا على استئصال دولتهم في اليمن، يقول القاضي حسين العرشي: "إن أحد القادة العثمانيين عام (1289هـ)قد عمل على إنهاء تلك الدولة"
            والحقيقة أن الباطنية أطلقت على فرق كثيرة منها:القرامطة والقرمطية والخرمية والإسماعيلية والسبعية والبابكية والمحمرة والتعليمية، وغير ذلك، ولكل لقب سبب ليس هنا محل تفصيله .
            وقد عاصر الإمام الشوكاني حروب الإمام المتوكل على الله أحمد بن المنصور علي عام 1237هـ حيث تمكن من الاستيلاء على معقل الإسماعيلية في (شبام)من بلاد(حراز)كما أن قبيلة (يام)التي استولت على مدينة زبيد عام 1237هـ قتلت الصغار والكبار، وسبت النساء، وابتاعتها في نجران، وقد قام الإمام المتوكل بإطلاع الإمام الشوكاني على كتبهم فلما قرأها أفتى بكفرهم وقال:
            "أقول، هم جماعة من الباطنيين، وهم في عداد الفرق الكفرية؛ فلا يلتفت إلى كلامهم في الشريعة المطهرة؛ فإنهم يجعلون تحريفها من أهم مقاصدهم".
            ومجمل القول فيها أن الباطنية من أخطر الفرق التي ظهرت في بلاد الإسلام وعملت على تقويض دولته،وقد تصدى علماء الإسلام للكشف عن فضائها وتحذير المسلمين من حبائلها،ولقد ألف الإمام الأكبر حجة الإسلام كتابه المشهور"فضائح الباطنية" وصرح بكفرهم ووجوب قتالهم فقال:" والقول الوجيز فيهم أنهم يسلكون مسلك المرتدين في النظر والدم والمال و النكاح والذبيحة ونفوذالأقضية وقضاء العبادات أما الأرواح فلا يسلك بهم مسلك الكافر الأصلي إذ يتخير الإمام في الكافر الأصلي بين أربع خصال بين المن والفداء والاسترقاق والقتل ولا يتخير في حق المرتد بل لا سبيل إلى استرقاقهم ولا إلى قبول الجزية منهم ولا إلى المن والفداء وإنما الواجب قتلهم وتطهير وجه الأرض منهم هذا حكم الذين يحكم بكفرهم من الباطنية وليس يختص جواز قتلهم ولا وجوبه بحالة قتالهم بل نغتالهم ونسفك دماءهم فإنهم مهما اشتغلوا بالقتال جاز قتلهم" وقد أفتى الإمام الشوكاني بكفر خلفهم كما أفتى الغزالي بكفر سلفهم هاهو ينصح أحد تلاميذه مصوراً له الحالة المتردية في عصره قائلاًمن (الطويل):
            فشمر على اسم الله في نشر سنة
            فإنك في دهر به قد تنكرت
            إذا قلت:قال الله قال رسوله
            وإن قلت: هذا قررته مشايخ
            فلا قدس الرحمن عصراً ترى به
            ألا ناصر للدين دين محمد؟!
            ألا غاضب يوماً لسنة أحمد؟
            أيا معشر الأعلام هل من حمية؟
            أينكر معروف، ويعرف منكر؟
            لتبك عيون العلم فهي جديرة
            لتبك عيون الأمهات فإنها
            لخير الورى واصبر على ما تكابده
            من الدين فاعلم يا ابن ودي معاهده
            يقولون:هذا مورد ضل وارده!
            يقولون:هذا عالم العصر واحده
            جهولا يعادي الحق ثم يعانده
            ألا عاضد يا للرجال تعاضده؟!
            فمن كان منشوداً فإني ناشده
            أتهجر من قول الرسول موائده
            ويقبل في الدين المطهر جاحده؟!
            بفيض دموع مترعات موارده
            غدت في عقوق من بنيها تكابده


            4-المعتزلة:
            المعتزلة فرقة من الفرق العقائدية، نشأت في العهد الأموي بالعراق وهي فرقة مناقضة لفرقة الجبرية التي نشأت في العصر نفسه ومن الدارسين من يقول بأن مصطلح(معتزلة)قد ظهر كمصطلح سياسي على يد بعض صحابة النبي صلي الله عليه وسلم الذين اعتزلوا حرب علي كرم الله وجهه في معركة صفين، وكمصطلح فكري في أواخر الدولة الأموية وقد يطلق عليها أصحاب العدل والتوحيد، والقدرية والعدلية وقد تفرع عن هذه الفرقة اثنتا عشرة فرقة بينها وجوه اختلاف، واتفاق يقول الإمام أبو زهرة بأنهم …كانوا يعتمدون في بيان عقائدهم على القضايا العقلية دون الآثار النقلية وكانت ثقتهم بالعقل ... كانوا يعرضون كل مسألة من مسائلهم على العقل، فما قبله أقروه، وما لم يقبله رفضوه ). وقد ابتدأت المعتزلة منذ نشأتها طائفة دينية، لا دخل لها في السياسة على عكس ما كان عليه الخوارج، والشيعة، والمرجئة؛ إلا أنها لم تلبث أن خاضت غبار السياسة، فتكلمت في الإمامة، وشروط الإمام …( يذهب المعتزلة إلى أن الإمام اختيار الأمة وذلك أن الله عز وجل لم ينص على رجل بعينه، وأن اختيار ذلك يفوض إلى الأمة، تختار رجلاً منها ينفذ فيها أحكامه، سواء كان قريشيا أو غيره من أهل ملة الإسلام، و أهل العدالة والإيمان ولم يراعوا في ذلك النسب ولا غيره و واجب كل عصر أن يفعلوا ذلك و الذي ذهب إلى أن الإمامة قد تجوز في قريش و غيرهم من الناس هم المعتزلة بأسرها، و جماعة من الزيدية). و أما دخول المعتزلة إلى اليمن فيعتبر عام / 544 هـ أول عام دخل فيه تراث المعتزلة إلى اليمن على يدي القاضي جعفر بن أحمد عبد السلام ت (573) هـ شيخ الزيدية و متكلمهم في اليمن و حيث قام بجلب كتبهم من العراق، بعد أن اخترقتها العامة بسبب تشيع متأخر يهم . وللشوكاني فيهم شعر أعرضه –بإذن الله- في الفصل الثاني.
            5- الأشاعرة:
            الأشاعرة أو الأشعرية إحدى فرق ثلاث تنتسب إلى الفرقة الأم والتي يطلق عليها:الصفاتية التي تشتمل بالإضافة إلى الأشعرية فرقتي المشبهة والكرامية، وإن كانت تطلق في الغالب على الأشاعرة، والقاسم المشترك بين هذه الفرق هو:إثبات الصفات الأزلية كالعلم والقدرة، والحياة، والصفات الخبرية التي أوردها الشارع كاليدين، والوجه والجلوس على العرش وغيرها….
            ويقول الدكتور محمد حسن بأن الأشعرية هم"أصحاب الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، المنتسب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه (ت=324هـ) والأشعري "نسبة إلى أشعر وهي قبيلة مشهورة باليمن، والأشعر هو نبت بن أود بن زيد بن يشحب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وإنما قيل له أشعر؛ لأن أمه ولدته والشعر على بدنه" .والأشعري من جملة السلف، إلا أنه استخدم علم الكلام في تأييد عقائدهم فقد جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما, وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة التي باشرت علم الكلام فأيد مقالتهم بمناهج كلامية، وصار ذلك مذهبا لأهل السنة والجماعة وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية . والأشعري وإن(تخرج على المعتزلة في علم الكلام و تتلمذ لشيخهم في عصره أبي علي الجبائي…ولكنه قد وجد في نفسه ما يبعده عن المعتزلة في تفكيرهم، ثم وجد ميلاً إلى آراء الفقهاء والمحدثين، مع أنه لم يغش مجالسهم، ولم يتعلم العقائد على طريقتهم.
            وللأشعري خطبة ألقاها في المسجد الجامع بالبصرة فنّد فيها أقوال المعتزلة معارضا لآرائهم أي أنه وإن كان قد استخدم أساليب المعتزلة الفلسفية؛ فإنه قد وصفها في إثبات ما جاء في القرآن والحديث من الصفات والعقائد
            وقد جاء بعد الغزالي أئمة كثيرون اعتنقوا مذهب الأشعري في نتائجه وزادوا في دلائله من الأعلام الأئمة الأفذاذ، الذين أحاطوا خبرا بالمعقول والمنقول.
            والمذهب الأشعري (يجري في اليمن مع المذهب الشافعي في الفروع جنبا إلى جنب فالأشاعرة غالبا ما يكونون شافعية المذهب ويسود المذهب الأشعري في المناطق الساحلية باليمن وفي منطقة الجنوب.) .
            ويرى د.محمد حسن أن انقسام اليمن إلى أشاعرة وزيدية قد أدى إلى مصادمات دموية بين أتباعهما وكان مدعاة لانفصال الأشاعرة عن سلطة الزيدية كلما حصل غزو خارجي لليمن ، وأن هذا الاختلاف لا يزال مصدر قلق بين الجنوب والشمال. ويرى الباحث أن الاختلاف المذهبي في حد ذاته غير مسئول عن تلك المصادمات بين أخوة يجمعهم الإيمان برب واحد وكتاب واحد ونبي واحد وقبلة واحدة، وكان الأولى إرجاع ما حصل وما قد يحصل إلى العصبية المذهبية وإلى الزعماء المرضى بداء حب التسلط والإمارة فحينما تسود الأمية الدينية، ويضعف الإيمان وتتضاءل آ صرة الإسلام يجد أصحاب العصبيات ومرضى الزعامة بيئة صالحة لتحكيم السيف .
            هذا، وكان الشوكاني يؤمن في صفات الله -سبحانه وتعالى- كما ذهب إليه السلف الصالح بعيدا عن المغالين في التنزيه أو المغالين في إثبات القدرة إلى حد الجبر والقسر، بل الإيمان بها على ظاهرها بدون جبر أو تعطيل أو تشبيه أو تعسف تأويل.
            وأما العصبية المذهبية التي قد تستخدم هذا المذهب أو ذاك فقد حاربها نثرا وشعرا وشرح لطلابه في عصره، بل وللمسلمين جميعا في مؤلفاته القيمة وعلى سبيل المثال دراسة شعره السياسي والاجتماعي في ديوانه: " أسلاك الجوهر" منابع التعصب وآثاره السيئة على المجتمع المسلم.


            خذ نفسك بالتقوى،وعامل غيرك بالفتوى

            تعليق


            • #7
              المدخل2

              6- الصوفية:
              إن كلمة الصوفية فيها أقوال متعددة بلغت حوالي أربع عشرة تسمية. وأرجحها لدى باحثي التصوف النسبة إلى الصوف. وقد أطلق على الصوفية غير قليل من الأسماء، مثل الفقراء، الزهاد، الجوعية، الغرباء، السياحيين. وبخصوص زمن ظهور التصوف فتفيد بعض المراجع أنه قد ظهر قبل سنة مائتين للهجرة ولكن اللفظ لم يظهر في القرون الثلاثة الأولى وإنما بعدها.
              وأما عن مكان ظهوره؛ فيذكر في الكتب بأنه الكوفة أو البصرة على اختلاف بينهما فقد ظهر التصوف فيها، وأما ينابيع التصوف فقد بدأت في عهد الرسول."" حيث قام "" بتصحيح مفاهيم نفر من أصحابه أرادوا المغالاة في عبادتهم فنهاهم عن الرهبنة ودعاهم إلى الزهادة بدون غلو في ذلك… ثم بدأت صور التصوف تتغير بعد دخول أصحاب الأديان الأخرى في الإسلام؛ فطفقت تأخذ طابع التعذيب للجسد وترك متاع الحياة ونعيمها.
              وأما الينبوع الثاني فقد كان مصدره ثلاثة أفكار: فكرة الإشراقيين من (الفلاسفة) وفكرة الحلول (النصرانية) وفكرة وحدة الوجود (الهندية) ثم اختلط مفاهيمها في القرنين الرابع والخامس الهجري بحيث تفاوتت مقادير كل فكرة لدى الجماعات الصوفية المختلفة، فتسود فكرة ما ( كالحلول أو وحدة الوجود أو الباطنية ) على سائر الأفكار الأخرى.
              وما كان أن انتهى القرن الخامس الهجري حتى تبلورت مذاهب التصوف المختلفة لكل منها أعلامها:
              فهناك المذهب الإشراقي الذي يتضمن الإشراق الروحي، وتعذيب النفس وكشف الحجاب وكان يشمل أحيانا فكرة الحلول أو الاتحاد، ويبتعد أحيانا أخرى، وهناك مذهب الحلول، ويمثله الحلاج. وهناك مذهب وحدة الوجود الذي يمثله ابن عربي (560-638 هـ) وهناك مذهب محبة الله تعالى وهي سمة موجودة في الفكر الصوفي كله بدون حلول أو اتحاد ويمثله ابن الفارض (576-632هـ) ،وفي ظل هذا المذهب وجدت المصطلحات الصوفية المشهورة لدى الصوفيين كالغيبوبة، والمحو، والفناء، والشكر، ووحدة الشهود، والأخير يقابل وحدة الوجود لدى الآخرين.
              واستمرت الصوفية تنمو بينابيعها الصافية والدخيلة، حتى جاء العهد العثماني" أطلقت السلطة العثمانية العنان لأهل البدع، المتصوفين والبلهاء حتى علا شأنهم عند العامة، واعتقدوا فيهم الولاية، وكان لأصحاب الطرق الصوفية منزلة عظيمة عند العامة وأصحاب السلطة فنشروا بذلك بدعهم بين الناس".
              و قد وجدت الصوفية في اليمن " بشكل محدود في الجزء الذي تقطنه الطائفة الشافعية، وقد ندد بهم الإمام محمد بن إسماعيل الأمير(1099-1182هـ)ومن بعده كما ندد بهم الشوكاني وكثير من معاصريه وتلامذته وأنشأوا فيهم المقالات الطوال وبينوا ما يجوز وما لا يجوز. هذا، و إنني أرى أن معيار التصوف – قديما وحديثا- معيار غير منصف حيث نرى جماعة من العلماء يكفرون الصوفية إطلاقا أو يخرجونهم من الإسلام، وهناك جماعة يبالغون في تقديسهم ويفرطون في مدح اعتقاداتهم وأفكارهم، وهناك نفر من العلماء الربانيين اختاروا الموقف المعقول والمتوسط ومنهم شاعرنا الإمام الشوكاني الذي ألف رسالة خاصة في التصوف بعنوان: "رسالة الصوارم الحداد القاطعة لعلائق مقالات أرباب الاتحاد" بين فيها آراءه في أئمة الصوفية الملتزمين بعقائد الشرع ومدلولات الألفاظ اللغوية والعربية، والذين لم يلتزموا ذلك حيث مدح الطائفة الأولى وذم الثانية في قصيدة تضمنتها هذه الرسالة كما أنه قد ألف كتابا خاصا بالولي وما يقوم به من ألوان التعبد والقربات، وما ينتج عن هذا السلوك من آثار، ومقدار ما يبلغه من المنزلة عند ربه سماه بـ: " قطر الولي على حديث الولي" بين فيه، من هو الولي؟ وشخصيات الأولياء، والطريق إلى الولاية ومنزلة الإنسان عند الله عند وصوله إلى درجة حب الله له والنظرة إلى الكرامات، وأفضل الأولياء ومن خلال ذلك يرى الدارس أن للإمام الشوكاني آراءه التي نقد بها غلاة الصوفية وفلاسفة الإشراق.
              كما أن الشوكاني قد ألف رسالة "مخطوطة" خاص بالتصوف وسماه بـ " التصوف" بين فيه أن هناك تصوفا محمودا وهو ما لم يخالف الكتاب والسنة ويدخل في ذلك فراسة المؤمن، ونظره بنور الله، والمكاشفات، و الكرامات، وبين فيه أيضا تحديث سيدنا عمر بن الخطاب بما غاب عن سائر الصحابة ولما انكشف للإمام الجُنيد في أمر النصراني الذي أسلم على يديه، وأما ما يخالف الكتاب والسنة فقد رفضه.
              و ألف إلى جانب ما ذكر بحثا آخر " مخطوطاً " ناقش فيه الكرامات وفق كتاب الله وسنة رسوله "" بين أهلها وبين أدعيتها.
              ثانياً: الحالة السياسية
              عاش الإمام الشوكاني في الفترة ما بين 1173-1250هـ فكان يسود في العالم الإسلامي وبخاصة في اليمن أشد ظلمات الفوضى السياسية والقبلية.
              أما السياسية:فبسبب كثرة الدويلات التي كانت تغزو اليمن من حين لآخر والنزاع بين أفراد زعماء الدولة الزيدية.
              وأما القبلية، فلما كان يجري من المصادمات والفتن بين الدولة ورؤساء العشائر من جهة وبين أصحاب المذاهب والفرق المتخالفة الاتجاه من جهة أخرى، حتى أن شمس القرن الثالث عشر الهجري لم تغب عن العالم الإسلامي، إلا وقد جردت أوروبا حملات صليبية مكثفة لاحتلال جنوب الجزيرة العربية الذي هو جزء من اليمن السعيد وأشاعت الفرقة وأسباب الخلاف بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد.
              كان العالم الإسلامي –حينذاك- من مشرقه إلى مغربه يعيش حالة من التفكك والصراع فقد كانت تتزعمه في مشرقه ثلاث دول إسلامية هي:الدولة السنية المذهب والدولة الصفوية الشيعية المذهب في فارس والدولة المغولية في الهند، وأما اليمن فإنه كانت في حرب مع الدولة العثمانية وكانت الحرب سجالا ولقد مر الغزو العثماني لليمن بمراحل:
              المرحلة الأولى:
              علاقة اليمن بالدولة العثمانية في عهد الشوكاني:
              ولعل أول غزو الدولة العثمانية لليمن بدأ بعد انتهاء دولة الجراكسة في اليمن عام 915هـ حينما وصل إليها الباشا سليمان بحملة كبيرة من السفن رست في جزيرة قمران قرب الحديد ة بأمر السلطان سليمان بن سليمان العثماني
              المرحلة الثانية:
              كانت سنة 945هـ حيث دارت معارك عنيفة بين العثمانيين وبين الأئمة الزيدية واستمر الصراع إلى سنة 975هـ حيث انتصر فيها اليمنيون في معركة "شعوب" وأخرج الأتراك من اليمن ولم يبق في أيدي الأتراك إلا مدينة زبيد.
              المرحلة الثالثة:
              بعد سنة من خروج الأتراك من اليمن عام 976هـ أعدوا الأتراك العدة للزحف على اليمن مرة أخرى فدارت معارك بين القوتين حتى تمكن العثمانيون من احتلال صنعاء في سنة 980 هـ وتمكن الأتراك أن يحرزوا تقدما باهرا، ولكن في 1006هـ بدأت الكفة ترجح إلى جهة اليمن حتى تمكنوا من القضاء على العثمانيين وإجبارهم على الرحيل من اليمن، واستعادوا كل المدن والجزر وكان ذلك في سنة 1009هـ
              المرحلة الرابعة:
              بدأت هذه المرحلة عام 1265هـ وفي هذه المرة تقدم الأتراك ،واستمرت الحرب بين القوتين إلى سنة 1911م حيث عقد الأتراك اتفاقية مع اليمن خروج بموجبها الأتراك من اليمن وبقيت قوات رمزية تركية باليمن كرمز للوحدة الإسلامية وقد بقيت هذه القوات باليمن حتى نهاية الحرب العالمية الأولى حيث هزم الأتراك وخرجوا منها في سنة 1919م. ويلاحظ أن الإمام الشوكاني عاش بين المرحلة الثالثة والمرحلة الرابعة وتعتبر هذه المرحلة مرحلة الاستقرار –نسبيا- حيث عاصر الإمام الشوكاني فيها ثلاثا من أئمة الزيدية وهم : الإمام المنصور علي ،والإمام المتوكل على الله أحمد والإمام المهدي عبدا لله بن الإمام المتوكل .

              الأئمة الزيدية والإمام الشوكاني:
              1. الإمام المنصور علي (1151-1224 هـ) تولى الإمارة عام (1189هـ) بعد وفاة والده المهدي عباس (1131- 1189هـ) و استمر في الحكم حتى وفاته سنة 1224هـ و قد تولى الشوكاني القضاء في عصر هذا الإمام و عمره ست و ثلاثون سنة و استمر على القضاء في عهد ولديه من بعده المتوكل على الله أحمد ، والمهدي عبد الله ،و ذلك حتى سنة 1251هـ و قد نعته الشوكاني بأنه " كان ملكا من أكرم الملوك ، و كثرت الأموال في دولته ، و كثرت صدقته ، نال الناس منه العطايا الجليلة ، والهبات الجزيلة ،وترك هذا الإمام الحبل على الغارب للوزراء يتصرفون كيف شاءوا حتى حدث الخلاف الشديد بينه و بين أكبر أبنائه أحمد ، والذي كان من أثره تحرك القبائل في " صنعاء " و كثر النهب و السلب و القتل و قطع الطرق و حصار " صنعاء " الذي بلغ الغلاء فيه غايته "
              و يتهمه بعض المؤرخين و يقولون عنه بأنه " كان من دأبه الاحتجاب و الميل إلى مجالسة النساء من الحرائر والإماء " . و يأتي دور الشوكاني البارز في حل الأزمة ، و من ثم فقد "انتهى الأمر أن سلمت السلطة إلى الابن على أن يحكم باسم أبيه" .
              2. الإمام المتوكل علي بن أحمد و هو ابن الإمام المنصور علي بني مهدي عباس و قد استمر حكم الابن منذ وفاة والده سنة 1224هـ حتى توفي هو سنة 1231هـ و كان الشوكاني له يد بيعة هذا الإمام، فكان هو أول من قبض البيعة له من إخوته و أعمامه، و سائر آل الإمام القاسم و أعيان العلماء و الرؤساء .
              و لقد لقب هذا الإمام بـ" الملك العادل " على أنه قد تناقضت المراجع في و صف سيرته فمن مادح ومن قادح . و مهما يكن من أمر فقد قضى هذا الإمام سنواته السبع في حكمه " فصولاً من المعارك التي خاضها لإعادة الاستقرار و إخماد الفتن فقام بنفسه بعدة جولات و غزوات، يرافقه في معظمها شيخ الإسلام الشوكاني … "
              3. الإمام المهدي عبد الله بن الإمام المتوكل أحمد
              و قد تولى الإمامة من سنة (1231إلى 1267هـ)أي بعد وفاة الشوكاني بسبعة عشر عاما و هو آخر من عاصر الشوكاني من الأئمة القاسمية، و كان الشوكاني أول من بايعه عقب وفاة المتوكل أحمد في شوال سنة 1231هـ و تحكي المراجع أنه كان " سفاكا للدماء، وسلك طريقا غير طريق أسلافه فمال إلى الفجور، و شرب الخمور، كان مع ذلك معظما للشريعة، و مقاتلا عليها من ناوأها …" .
              وهكذا كانت بداية حكم المهدي عبدا لله، و إن شغل بعد ذلك بمصادرة وزرائه و تبديلهم،
              وتكررت أمور تشابه ما حدث أيام والده، و واجهها بشدة، و من ذلك حوادث أهل (كوكبان) فذهب بنفسه عام 1237هـ و اصطحب الإمام الشوكاني و ضرب بقوة في (خولان ) و في العام التالي ذهب إلى اليمن الأسفل، وقد عاث عسكره فيها فسادا، و شيخ الإسلام الشوكاني بين مهدئ، و ناقد، و حائر. و استقرت الأمور بعض الشي . و في خلافة هذا الإمام يموت الشوكاني.
              وخلال هذه الفترة وإن كانت اليمن مستقرة خارجيا إلا أنها داخليا اعترتها بعض الإضطرابات والفساد الإداري مما أدى إلى خلاف بين الإمام المنصور علي وابنه المتوكل على الله أحمد، ومن سقوط بعض المناطق من أيدي الإمام المنصور تعرضت صنعاء إلى السلب والنهب ،وخروج بعض المناطق عن حكم الأئمة سواء أ كان الخروج من قبل دعاة الإمامة أم من قبل العلماء أو القبائل. وتذكر بعض المراجع الفوضى في عصر الأئمة، وإنها لم تستطع السيطرة على اليمن شمالها وجنوبها ، بل لم تستطع أن تبسط نفوذها على الشمال إلا في فترات قليلة جداً تضعف فيها الحكومات القائمة أو يقوى فيها الأئمة الدعاة فتمتد من صعدة – غالبا- موجات من الغارات القبلية . يقول محققو السيل الجرار… للشوكاني "..... وكانت سيوف الأئمة لا ترحم مخالفيهم وكانت سجونهم دائما تغص بخصومهم في الرأي أكثر من ازدحامها بخصومهم في السياسة "
              ومثال ذلك سجن أبي الحسن الهمذاني- شيخ المؤرخين – والذي مكث في سجونهم ستة أعوام مكبلا في الحديد؛ لأنه دافع عن نفسه ورد على هجاء شعراء في صعدة ثم أغريت القبائل به وبكتابه العظيم "الإكليل"
              ولقد بين الإمام الشوكاني ما يدل على حال أوضاع بلده في كتابه "الدواء العاجل" موضحا تدهور البلاد في عصره.

              علاقة اليمن مع دولة الأشراف في مكة وتهامة:
              أما أشراف مكة فهم ينسبون إلى الشريف أبي يمن محمد بن حسين بن علي بن قتادة بن إدريس الحسين الحسني وقد دامت إمارة مكة وما يتبعها فيهم زمنا طويلا حتى كان آخرهم الشريف علي بن الحسين بن علي آل عون الذي انتهت دولته بالحجاز على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود سنة 1341هـ
              وقد عاصر الشوكاني منهم الشريف مساعد وولده سرور بن مساعد وعبد المعين بن مساعد، وغالب بن مساعد وقد دارت بين الأخير وإمام اليمن مكاتبات طويلة-شعراً ونثراً- وكان الجواب عليها من قبل الإمام الشوكاني نيابة عن الإمام كما ذكر هو بنفسه في البدر الطالع.
              وفي هذه الرسائل دليل على حسن العلاقة والتعاون الكامل بين أشراف الحجاز ودولة اليمن في مجال السياسة و الاقتصاد، ومحاربة العدو المشترك.
              وبعد ذلك أرسل محمد علي باشا من مصر جيشا كثيفا استولى على مكة وغالب الجزيرة العربية وقبض على الشريف غالب أمير مكة وصادر ممتلكاته وأرسله مع أفراد أسرته وخواصه إلى القسطنطينية حيث شنق هناك وكما قيل قتل سنة 1229هـ وانتهت دولة الأشراف بالحجاز ولم تعد إلا بعد مدة طويلة وكانت تابعة فيما بعد للدولة العثمانية.
              دولة الأشراف في تهامة (وفي المخلاف السليماني) بالذات – علاقتها باليمن:
              أسس الدولة أحد أحفادهم وهو الشريف المكي حمود بن محمد بن أحمد بن محمد بن خيرات في المخلاف السليماني وتتابع على كرسي الحكم أولاده وقد عاصره الشوكاني كما عاصر أولاده وأولاد أخيه من بعده.
              لما استولى سلطان نجد الملك سعود بن عبد العزيز سنة 1217هـ بجيوش جرارة بقيادة أبو نقطة على أبي عريش عاصمة المخلاف السليماني حينذاك استسلم الشريف حمود بعد أن قتل من الفريقين أكثر من ألف شخص ودخل الشريف في طاعة سلطان نجد وخرج على البلاد الإمامية وكان تابعا للإمام –كما تقدم- فاستولى على بندر الحديدة " واللحية و زبيد وحيس وغيرها واختط مدينة الزهراء بوادي مَوْر و صار ملكا مستقلا. وما لبث أن اختلف مع سلطان نجد فغزاه أبو نقطة والتقيا ببيش سنة _1224هـ ودارت معركة عنيفة قتل فيها أبو نقطة وعدد كبير من جيشه وقتل من جيش الشريف نحو ألفين انهزم بعدها الشريف إلى أبي عريش وحصنها ثم لما مات السلطان سعود بن عبد العزيز وصار الأمر بعده إلى ابنه الأمير عبد الله بن سعود ولم يكن في الكفاءة كأبيه تداعى صرح دولة آل سعود تحت وطأة جيش إبراهيم باشا بن محمد علي باشا مصر وسقطت الدرعية. ولما وقعت هذه الأحداث تصالح الشريف المذكور مع الإمام المتوكل على الله أحمد بن المنصور علي بن المهدي عباس، ثم قامت الحرب بينه وبين الإمام مرة أخرى وتوفي الشريف والحرب قائمة بينه وبين الإمام سنة 1233هـ وخلفه في الملك بعده ابنه أحمد حمود المولود سنة 1206هـ واختلف عليه بعض الأقارب وحرضوا بعض القبائل في الخروج عليه، فاستعان عليهم بالباشا محمد علي فأرسل خليل باشا مع جيش كثيف إلى تهامة وكان هذا من أسباب خروج الأتراك العثمانيين آنذاك إلى اليمن فاستولى على أبي عريش وانتهت دولتهم سنة 1235هـ تقريبا .
              ويتحدث الشوكاني عن علاقات الأئمة بآل سعود، وكما يعيب الشاعر على الشريف غالب أمير مكة محاربته لسلطان نجد مع أنه لا يستطيع محاربتهم ويصفه، بأنهم أقاموا الدين الحنيف في جميع البلاد التي فتحوها وصار أهلها يصلون ويصومون ويؤدون زكاة أموالهم وسائر شعائر الإسلام بعد أن كانوا لا يعرفون من الإسلام شيئا ولا يقومون بشيء من واجباته إلا مجرد التكلم بلفظ الشهادتين على ما في لفظهم بهما من عوج قال:
              (وبالجملة فكانوا جاهلية جهلا وكما تواترت بذلك إلينا الأخبار وصاروا الآن يصلون الصلوات الخمس لأوقاتها ويأتون بسائر الأركان الإسلامية على أبلغ صفاتها).
              هذا وقد دارت مكاتبات –شعرية ونثرية-بين الشوكاني وبين أمراء آل سعود من جهة وبينه وبين الإمام المنصور من جهة أخرى ومن جملتها هذه القصيدة العصماء التي أرسلها شيخ الإسلام الشوكاني _رحمه الله- إلى سعود النجدي وعلماء نجد والتي مطلعها من (الوافر):
              إلى الدرعية الغراء تسري
              وتصرخ في ربا نجد جهاراً
              وأبنا مقرن وهم ليوث
              فتخبرها بما فعل الجنود
              فيسمعها إذا صرخت سعود
              إذا الحرب العوان لها وقود

              ثم يقول من (الوافر) :
              ونهج الحق لانبغي سواه
              وأنا نجعل القرآن جسرا
              إليه جل مقصدنا يعود
              فمصدرنا عليه والورود





              خذ نفسك بالتقوى،وعامل غيرك بالفتوى

              تعليق


              • #8
                المدخل3

                دور اليمن في الغزو الأوروبي:
                بالإضافة إلى ذلك فهناك نوايا استعمارية أوروبية امتدت في محاولة السيطرة على العالم الإسلامي كله، فلم تعد الأيدي المستعمرة تقتصر على شمال البحر الأحمر، بل أطلت على جنوبه في محاولة للإيقاع به تحت وطأة الاحتلال،ولكن هذه الأيدي الآثمة لم تستطع أن تنال من اليمن بسبب الصعوبات الجغرافية، والتضاريس الصعبة، بالإضافة إلى الطابع القتالي لدى قبائل اليمن وزعمائه، بل إنه لم يستطع أن يسيطر من بلاد(اليمن)-شمالا وجنوبا-إلا على رقعة صغيرة مطلة على البحر الأحمر يقال لها: ( عدن ) وماعدا هذه البلدة؛ فإن اليمن يموج بالبطولات الثائرة المتأججة التي لم يستطع الاستعمار إخضاعها حتى ولو بالتفكير باحتلالها. وقد كان للحملة الفرنسية على مصر (1798-1801هـ)أثر واسع في العالم الإسلامي، ولكنه اختلف من دولة إلى أخرى، وظهر الصراع الأوروبي في الاستعمار لبلاد الإسلام جلياً في الحرب المعلنة بين إنجلترا وفرنسا على السيطرة على ممتلكات الدولة العثمانية فأرادت إنجلترا أن تؤ من طريقها إلى الهند؛ فكان نصيب اليمن من ذلك أن استولت القوات الإنجليزية على "جزيرة بريم"في البحر الأحمر عند المدخل الجنوبي وذلك سنة 1799م لسد هذا البحر أمام السفن الفرنسية.
                دور الشوكاني في مواجهة الحملة الفرنسية:
                نددَّ الشوكاني بهذه الحملة الاستعمارية ورآها عدواناً على العالم الإسلامي وخطباً جللاً يتطلب من أهل البطولة والفداء التصدي لها ومواجهتها قال :"وهذا خطب لم يصب الإسلام بمثله؛ فإن مصر ما زالت بأيدي المسلين منذ فتحت في زمن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه إلى الآن ولم نجد في شيء من الكتب التاريخية ما يدل على أنه قد دخل مدينة مصر دولة كفرية، وكذلك الذين وصلوا إليها أيام العاضد ووزيره شاور، وكذلك الذين وصلوا إليها في دولة بني أيوب لم يدخلوا مدينة –مصر بل غاية ما بلغوا إليه "دمياط"ونحوها ومازالت تلك المدينة وسائر بلادها محروسة عن الدول الكفرية؛ فإن التتار دوخوا جميع بلاد الإسلام ولم يسلطهم الله على مصر، بل عادوا عنها خائبين مقهورين مهزومين، وكذلك تيمور لنك مع تد ويخه لسائر الممالك لم يسلطهم عليهم، والله ينصر الإسلام وأهله". ولم يتوقف دور الشوكاني عند التنديد بهذا الاحتلال بل كان يصوغ خطاباته التاريخية التي كلماتها صواعق وتهديد وتوعد للمستعمر،ووعد صادق لإخوان المسلمين بالوقوف إلى جانبهم في محاربة الكفار وربط على قلوبهم،يقول في رسالته الشخصية إلى أمراء الحجاز(شريف مكة المكرمة وشريف المدينة المنورة وبندر جدة ) عام 1214هـ :"… ونحن إن شاء الله حرب لمن حارب المسلمين،سلم لمن سالم أهل هذا الدين المبين،مترقبين لانتهاز الفرص،منتظرين لتجريع الكافرين أعظم الغصص، ... قدأمرنا الرجال بالاستعداد للقتال…فنحن في الرعيل الأول،وعلى الله سبحانه في النصر المعول،نجاهد حق جهاده،ونرابط في الثغور لحفظ عباده وبلاطه…والإسلام أعظم رابطة،والمؤمنون أخوة". وهكذا كانت الحالة السياسية شديدة الإضطرابات، كثيرة الأطراف والصراعات في عصر الإمام الشوكاني، وسنقف معها مرة أخرى في الفصل الثاني وذلك عند دراسة شعره السياسي-بإذن الله تعالى-.
                ثالثًا: الحالة العلمية والأدبية
                على الرغم من أن الشوكاني قد عاش في عصر الجمود والتقليد إلا أن اليمن قد عاشت في تلك الحركة العلمية التي يشير إليها الدكتور الغماري قائلاً: "إن حركة التأليف قد نشطت في عصر الشوكاني خلال القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجريين نشاطا ملحوظاً" ويذكر ظاهرة الاستمرارية في تلك الحركة منذ القرن الثالث الهجري وحتى عصر الإمام الشوكاني ويرجع ذلك إلى طبيعة المذهب الزيدي الذي اشترط توفر صفة (الاجتهاد) ضمن شروط لاختيار الإمام،ومن يدرس حالة اليمن يجد أنها كانت في نهضة علمية كبرى في جميع الفنون منذ القرن الثالث الهجري إلى عصر الشوكاني: كما أن عناية الزيدية بالكتب أو التأليف كانت كبيرة ولا يكاد يرشح إمام للخلافة إلا إذا كان مجتهداً وله تآليف، لأن ذلك من شروط الإمامة عندهم التي يجب توفرها في البيعة للإمام أو بدونها لا تجب طاعته ولا تنعقد بيعته بل عليه أن يبين اجتهادا ته في مؤلف، ويناقش الإمام من قبل هيئة كبار العلماء في عصره وكان هذا حافزاً قويا لكثرة التأليف في اليمن إضافة إلى أن المذهب الزيدي يدعو للاجتهاد والتحرر من التقليد.
                ويضيف د. حسين بن عبد الله العمري سببين لذلك، وهما:
                انفتاح الزيديين على كل من المعتزلة وأهل السنة، ووجود رد فعل علمي نبت في أحضان أبناء المذهب الزيدي نفسه على ظواهر التعصب والتزمت والقسوة التي كانت تتعارض مع طبيعة ذلك المذهب، ويمثل الشوكاني من وجهة نظره قمة ذلك الانفتاح.
                وقد قام الإمام الشوكاني بالتدليل على استمرارية وتواصل الإنتاج العلمي والأدبي في مؤلفه: (البدر الطالع بمحاسن القرن السابع) الذي انتهى من تأليفه سنة 1213هـ وتضمن كتابه هذا أربع مائة خمس وعشرين (425) عالما ،مفكرا، أديبا وشاعرا وموسوعته الثانية: (نشر العرف بتراجم ما بعد الألف).
                وكانت هناك حالة تواصل فكرية وعلمية بين علماء اليمن وعلماء الأقطار الإسلامية الأخرى ويأتي في مقدمة علماء اليمن الإمام الشوكاني الذي ظل متصلاً بعلماء عالم الإسلامي بما فيه علماء الجزيرة العربية خاصة فقد اتصل بالدعوة الإصلاحية التي قادها الشيخ/عبد الوهاب النجدي، وكان للشوكاني تقييمه الموضوعي لهذه الدعوة، ونقد عصبية اتباعها وخاصة عندما تغزو رافعي القبور والقباب بينما اعتبرهم-هو- عصاة مذنبين كما تقضي بذلك شريعة الإسلام.
                ثم يأتي أحد أتباع مدرسته عام 1348هـ محمد بن محمد زبارة فيضيف ملحقا بتراجم من لم يتناوله الشوكاني في مجلديه السابقين بلغ عددهم (440) شخصية ألحقت بالمجلد الثاني لتراجم الشوكاني وضمن إلى هذا المجلد عند طبعه، ويشرح (زبارة) جهده فيقول: "فهذه نبذة يسيرة وعجالة ضئيلة حقيرة مشتملة على ما يشبه التراجم المختصرة لأربعمائة وأربعين رجلا من مشاهير رجال اليمن الذين لم يترجمهم القاضي الحافظ محمد بن علي الشوكاني في كتابه: (البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع) حررتها أيام نزولي بمصر القاهرة، لتكون كالملحق بالكتاب المذكور مع الشروع في طبعه…
                وقد قام الشوكاني بالإضافة إلى ما سبق بجهد آخر، وهو تأليف كتابي تراجم الآخرين الأول بعنوان: نيل الوطر في تراجم اليمنيين في القرن الثالث عشر، تضمن أربعمائة وخمسة وعشرين عالما وأديبا يمنيا في مجلدين كبيرين.
                والثاني بعنوان: نشر العَرف لنبلاء اليمن بعد الألف إلى سنة 1375هـ ونبلاء اليمن بالقرن الثاني عشر للهجرة وذلك في مجلدين تضمن المجلد الأول مائتين وأربعا وستين شخصية، والمجلد الثاني ستمائة وثماني شخصيات.
                وقد كان للدولة في عصر الشوكاني دور بارز في إخصاب الحركة العلمية والأدبية وتمثل في الاهتمام بالعلماء ومما ذكره الشوكاني: اهتمام الإمام المنصور بعالم الطب السِّندي محمد بن محمد بن علي، وذلك في عام 1213هـ فقد وفد إلى بندر الحديدة لينتفع المجتمع اليمني بعلمه وتطبيبه واستمر الاهتمام به في عهدي الإمامين المتوكل والمهدي، يقول الشوكاني: "ثم عاد إلى الحديدة في شهر شوال من تلك السنة 1213هـ بعد أن أحسن إليه الخليفة وقرر له معلوماً نافعاً، وكساه ونال من فيض عطاه، ثم تكرر وفوده إلى صنعاء مرة بعد مرة في أيام المنصور ثم في أيام المتوكل ثم في أيام مولانا الإمام المهدي" .
                بعض الرجال لهذا العصر:
                المهدي، الذي وصفه الإمام الشوكاني "بالفطنة والعدل وقوة التدبير". فكان يزخر عصره بالعلماء الكبار والأدباء والشعراء المشهورين فمن بينهم كان علامة العصر محمد بن إسماعيل الأمير( 1099 ـ 1182هـ ) ولم يدرك الشوكاني التتلمذ عليه؛ ولكن ألفيته تأثر بآرائه وأعجب بمواقفه العلمية والعملية .
                وكان هناك علماء آل أبى الرجال وفقهاء بيت العمري وبيت الأرياني وحفاظ زبيد ومشايخ حضرموت وأدباؤها وشعراء كوكبان من آل شرف الدين وآل إسحاق الذين كان منهم المخضرم المعمر والعلامة إبراهيم بن الإمام محمد بن إسحاق ذلك الشاعر العظيم والذي أدرك عبقرية الشوكاني المبكرة فبعث إليه على فارق السن بينهما من (الكامل ):
                أبا بَدر دين الله هُنِّيت أولاً
                بلَغت به شأواً رفيعاً ومَحْتدا
                وحقَّقت بالتحقيق في كل مطلب
                بفهمك إنَّ الفهم أقوى الدّلائل
                ونِلتَ به ما لم ينلْ كلُّ نائل
                وحزتَ مع التدقيق كل الفضائل

                وكذلك كان العلامة إسماعيل بن يحيى الصديق 1130 ـ 1209هـ وهو من رجال العصر البارزين وكان معجبا بالشوكاني خائفا عليه وقد دار بينه وبين الشوكاني حوار قبل وفاته بسنة ذكره الشوكاني في ترجمته قائلاً: ".. وقد دعاني في أيام طلبي للعمل إلى بيته مرات ويظهر من التعظيم والإجلال مالا يوصف وآخر ذلك قبل موته بنحو نصف سنة فإنه أضافني منفردا وقد كان اشتغل جماعة في تلك الأيام بالحط علي بما يقتضيه اجتهادي في كثير من المسائل، كما هو دأب اليمن وأهله بل دأب جميع المقصرين مع من يمشي مع الدليل من العلماء فقال لي رحمه الله ما مضمونه: "إن في التظهر بذلك فتنة "وذكر لي قضايا جرت…".
                ومن رجال العصر كان أحمد بن علي النهمي وزير المهدي (1130ـ 1186هـ) والذي كان (عالماً فاضلا لا رغبة له في الشر ولا يجلبه لأحد، وأحبه الإمام المهدي محبة شديدة وكان يعوّل عليه في جميع الأمور،ولم يكن كثير المال…"
                وهو الذي أعجب بعلمه ومعارفه العالم الرحالة الدانمركي كرستن نيبور (1733 ـ 1815م) واستغرب أن يجد عربيا في صنعاء يعرف جغرافية أوروبا وميزان القوى فيها في ذلك الحين.
                تواصل اليمن من غيرها من الدول علمياً وأدبياً:
                كانت اليمن في عصر الشوكاني تعيش حالة تواصل علمية وأدبية مع الأقطار الإسلامية الأخرى ومن أمثلة ذلك الخبر التالي: "… وفي يوم الخميس 19 ربيع الآخر 1232 هـ وصل الشيخ محمد عابد السندي 1190 ـ 1257هـ من مصر وأخبر عن ضعف مصر وأنه لم يجد بها من يعرف الحديث ولا من يتعلق به، وإن هذا من العجيب.
                وقد أورد الإمام الشوكاني هذه الواقعة قائلاً: "أرسله (الإمام المهدي) (أرسل محمد عابد السندي) إلى مصر إلى الباشا محمد علي بهدية منها قيل وكان ذلك في سنة 1232هـ ورجع وأخبرنا بإندراس العلم في البلاد المصرية وإنه لم يبق إلا التقليد والتصوف".
                وبغض النظر عن صحة الخبر من عدمه، حول ما في مصر من جمود علمي وتقليد فإن ذلك يثبت التواصل العلمي والأدبي بين اليمن والخارج؛ فالرسول هو (السّندي) ويتردد على (اليمن) مرات، ويرسله الإمام إلى (مصر).
                هذا، وكما كان التواصل موجوداً بين اليمن وبين أتباع الحركة الوهابية.
                فقد كان سعود بن عبد العزيز بن حمد بن سعود (1160 ـ 1229هـ) يراسل الإمام الشوكاني حين راسل (الإمام المتوكل أحمد) وأباه (المنصور)، وذلك حول دعوة المرحوم (الشيخ محمد بن عبد الوهاب) إلى التوحيد وهدم القبور المشيدة، والقباب المرتفعة وكان الشوكاني كسلفه العلامة (محمد بن إسماعيل الأمير) كغيره من متحرري علماء اليمن قد رحبوا بالآراء الإصلاحية التي نادى بها (الشيخ ابن عبد الوهاب) ولم تكن في الواقع جديدة أو غريبة عليه، وعندما توفي الشيخ عام (1206هـ) رثاه الإمام الشوكاني بقصيدة ليست في الديوان ولا في البدر الطالع مطلعها من (الطويل):
                مصابٌ دّهى قلْبي وأذكى غلائلي
                وأحمى بسهم الافتجاع مقاتلي

                وبعد أن استعرض محقق نيل الوطر قصيدة الشوكاني قال:
                "وهكذا لم يكن هناك خلاف مذهبي حول آراء (ابن عبد الوهاب) الإصلاحية الأساسية، ولكن التعصب الذي صاحب هذه الحركة وفي انتشارها جعل الشوكاني يرسل هذه القصيدة من نظمه إلى ابن سعود في الدرعية"
                على هذا يثبت التواصل العلمي والأدبي والفكري بين ثورة العقيدة في الدرعية وثورة العقل في صنعاء وهكذا يمتد ذلك التعامل من (السند) مارّا (بصنعاء) فالبد رعية كما رأينا سلفا أو آنفا.
                ورغم ذلك فإن البيئة العلمية الصنعانية قد غلب عليها التعصب والتقليد في عصر الشوكاني الأمر الذي جعل الشوكاني يشخص هذا السلوك في قطاع العلماء في إحدى قصائده وفي كثير من تحليلاته في كتابه (أدب الطلب) حيث حدد منابع التعصب وآثاره الضارة على الفرد والمجتمع.
                هذا، وأما بخصوص النصوص الأدبية في هذا العصر فيمكن للناظر أن يدرك فيها مواقف الأدباء والشعراء مواقف صادقة، ويلمح فيها حسن العرض، ولا تخلو هذه الأساليب من الملامح التصورية المناسبة التي يمكن إدراكها في الألوان النثرية منها والشعرية، واتسمت بالروح الدينية الصادقة؛ إذ كانت معانيها"تدور حول إبراز المشاعر الإسلامية" والدفاع عن الوطن العربي الإسلامي أمام أعدائه" ولكنها رغم ذلك لم تسلم من التكلف البديعي، والمحافظة على الأساليب المعهودة في العصور الأدبية الضعيفة، وذلك من حيث التزام السجع، والإكثار من استخدام ألوان البديع المعروفة.ولعل ما يمكن ملاحظته في هذه النصوص أن أصحابها قد أسرفوا-إلى حد ما-في إ طالة الديباجات،"والميل الشديد إلى التفخيم". ولكنهم كانوا حينما تنتابهم مشاعر الجد يهملون –إلى حد ما-هذا النهج التقليدي، وينصرفون إلى التعبير عن مشاعرهم وأحاسيسهم، ويؤكد هذا القول ما ذكره الشوكاني في معرض حديثه عن إحدى الرسائل الديوانية التي حررها،إذ قال:"هذا الكتاب عن أمر مولانا الإمام حفظه الله ،وهو على نمط ما قبله من كتابي الشريف في عدم انتخاب أعلى طبقات بلاغات الكتاب،إذ المقام مقام مكالمة في رزية في الدين ومصيبة عمت المسلمين ،فمعظم المراد وغاية القصد هو الإفهام بلسان الأقلام المتأنق في تحرير الكلام على أتم نظام". ورغم كل ما قيل عن الجهود العلمية والإصلاحية والأدبية فقد يلاحظ فجوة كبيرة بين ما لدى العلماء في اليمن من علوم، ومنهم شاعرنا الشوكاني وبين ما وصل إليه علماء أوروبا ودولها من تقدم علمي في ميزان علوم الطبيعة وغيرها من علوم حديثة وما أدت إليه من تقدم تكنولوجي وتطبيق للعلم، سهل للأوروبيين امتداد نفوذهم، المدُعم بأسلحة حديثةٍ، ونظم راقية في الجيش والإدارة والحكم، وذلك إزاء عالم إسلامي، ثم تواصل أجياله المتأخرة مسيرة التقدم العلمية، في ميادين الطبيعة والحياة تلك المسيرة التي تلقفها الأوروبيون من المسلمين عبر الحروب الصليبية و…
                ويضيف -أيضاً- حيث يقول:
                "ولو قدر للشوكاني تطوافه خارج اليمن، كما فعل الإمام الأفغاني 1254 ـ 1315هـ والإمام عبده من بعده، وخاصة في أوربا؛ لأضيف إلى دعوته الإصلاحية الاهتمام الشديد بالعلوم الحديثة وتطبيقاتها" .


                خذ نفسك بالتقوى،وعامل غيرك بالفتوى

                تعليق


                • #9
                  المدخل4

                  رابعاً: أحول الشعر في عصره
                  يقول بعض الأدباء والنقاد بأن أحوال في البلاد العربية –في عصر العثماني كانت سيئة ،وانتشر الجهل والفساد في مجتمعاتها، وغلبت التركية على العربية إذ صارت اللغة الأصلية في المعاملات الرسمية وفشت على ألسن الناس وانطفأت مصابيح الثقافة التي ظلت مضيئة في عصر المماليك وإن كانت خافتة والشعراء يتلهون بالشعر في المناسبات العامة والخاصة وعاش هؤلاء يجترون معاني الأقدمين ويقلدونها دون وعي أو إحساس أوانفعال، وكما عمدوا إلى الحلى البديعية يستكثرون فيها كأنها الغاية من الشعر وشغلوا أنفسهم بتشطير الأبيات القديمة أو تخميسها، وتمطيط معانيها، وحشوها بالألفاظ المناسبة وغير المناسبة، والتراكيب الضعيفة العامية، مثلما نجد في شعر عبد الحليم العباسي(963هـ)والشهاب الخفاجي(1069هـ) ،ومن أتى بعد هذا الجيل من شعراء العصر العثماني حتى عهد الحملة الفرنسية على مصر من أمثال عبد الله الشيرازي(1173هـ)وجعفر محمد البيتي(1182هـ) وعلي بن النصر(1268هـ)والسيد إسماعيل الخشاب(1130هـ)والشيخ حسن العطار(1250هـ0) يصور لنا د.شوقي ضيف صورة الشعر في العصر العثماني قائلاً: (الشعر كان يجري على الحالة السيئة …وهي صورة رديئة مسفهة سواء في الأغراض والمعاني والأساليب، أما الأغراض فكانت ضيقة تافهة، وكانت المعاني مبتذلة ساقطة، وأما الأساليب فكانت متكلفة، مثقلة بأغلال البديع، وما يتصل بها من حساب الجمل الذي كانوا يؤرخون به حوادث شعرهم وقصائد هم) ويضيف أيضاً(…وظلوا يحجلون في هذه السلاسل الممقوتة من البديع الذي لا تقبله النفس، ولا يطمئن إليه الذوق، ولا يأنس له العقل، لأنه لا يحوي معنى، وإنما هو زخارف لفظية تخنق الشعور، وتقتله قتلاً)
                  وفعلاً، صارت القصيدة العربية جدولاً حسابياً في هذه الفترة، فهذا علي أبو النصر يهنئ أحدا؛ فيؤرخ في كل شطر سنة حيث يقول من (الوافر):
                  بشير الهنا لاحت بيمن قد ومه
                  وبدور التهاني فاق بالأمس نوره
                  بدور بها نور البشائر قد صفا
                  فأهدى لنا أسنى السرور وأتحفا

                  وكما سادت في هذا العصر المقطعات الشعرية التي دعت إليها البطالة والفراغ والضعف الفكري، والتي تعتمد على مهارة الصناعة اعتمادا كليا؛ فمن أنواعها التطريز الذي يكون على صدر الأبيات أو أعجازها، أو على كليهما، بمعنى أن تؤلف الحروف الأولى، أو الأخيرة من الأبيات يقصده الشاعر وهو يضحي في سبيل ذلك بجمال المعنى ومعظم القيم الفنية في الشعر العربي، ….
                  وجاءت الحملة الفرنسية على مصر ولكن لم يكن سهلاً على الشعراء أن يتخلصوا من أسر الشعر التقليدي المصنوع الذي اعتادوه، كما يرى ذلك الدكتور محمد مصطفى هدارة ،والدكتور شوقي ضيف . ولكن هذا الكلام ليس بصحيح،وإن كانت الكتب تردد فمن المفروض على الباحث الإسلامي والذي لديه ذوق إسلامي أصيل أن لايأخذ بمثل هذه الآراء....
                  هذا، ودور الشوكاني تجاه الحملة هذه تناولته-سلفاً- في الأحوال السياسية بالتفصيل، وذكر كتاب "البدر الطالع " للشوكاني رسائل الإمام النثرية منها والشعرية تجاه الحملة هذه ،والتي تتضح منها حال الشعر في عصر الإمام بكل وضوح ؛ ….هذا هو حال الشعر العربي على وجه العموم، وأما اليمن فهو كسائر البلاد العربية مع أن البيئة اليمنية لها استعداد فطري للعمل، ولديها الذكاء الفطري، والإقبال على كل جديد، بالرغم من العزلة التي طرأت عليها وبعدها عن الحضارة، والتطور العلمي، كما يقول عبد الله أحمد اليمني "البيئة اليمنية في شبه عزلة عن الحضارة والعالم المتحضر، والأغلبية الساحقة من أفراد القرى –القبائل-لديهم استعداد فطري لحمل السلاح..واستعماله في الحروب القبلية والدفاع عن النفس، والأخذ بالثأر…ويتميز اليمنيون بالنخوة، والاعتزاز بالنفس، والكرم العربي الأصيل" .وهذه الصفة القروية تتبلور في شعرهم والتي سنتوقف عندها قريبا بإذن الله تعالى،ويضيف بأن "المدن الجبلية ؛فيغلب عليها الطابع العملي في حركاتهم، وسكنا تهم، وأزيائهم مختلفة باختلاف الطابع الفطري " .
                  واتسمت النصوص الأدبية في عصر الشوكاني–كما أشرت إلى ذلك سلفاً-بالروح الدينية الصادقة؛ إذ كانت معانيها"تدور حول إبراز المشاعر الإسلامية، والدفاع عن الوطن العربي الإسلامي أمام أعدائه" ولكنها رغم ذلك لم تسلم من التكلف البديعي، والمحافظة على الأساليب المعهودة في العصور الأدبية الضعيفة، وذلك من حيث إلتزام السجع، والإكثار من استخدام ألوان البديع المعروفة.بالإضافة إلى أن أصحابها قد أسرفوا-إلى حد كبير-في إ طالة الديباجات، "والميل الشديد إلى التفخيم". ولكنهم كانوا حينما تنتابهم مشاعر الجد يهملون –إلى حد ما-هذا النهج التقليدي، وينصرفون إلى التعبير عن مشاعرهم وأحاسيسهم،ويؤكد هذا القول ما ذكره الشوكاني في بداية حديثه عن إحدى الرسائل الديوانية التي حررها، حيث قال:"هذا الكتاب عن أمر مولانا الإمام -حفظه الله- وهو على نمط ما قبله من كتابي الشريف . مع كل هذا، نستطيع أن نصف حال الشعر في اليمن في عصر الشوكاني بشيء من التقدم والازدهار وتفنن في قول الشعر وتعمق في معانيه؛ لأنه برع في اللغة وغيرها من العلوم الدينية، بالإضافة إلى ذلك كان هناك شعراء آخرون عاصروا الشوكاني وتناولت أشعارهم الموضوعات الشعرية من الغزل والتشبيب، والمديح والرثاء والحكمة والزهد وغيرها من الأغراض الشعرية وفاقوا في اللغة والأدب نظماً ونثراً، وكانت لهم أياد في ميادين النثر وفنون الشعر؛ فنظموا إضافة إلى أغراضم الشعرية الأخرى بعض القصائد الطوال في مدح الإمام الشوكاني ووصف علمه وكتبه منهم الحوثي الذي وصفه بأوصاف منها:تقدمه في العلم وبروزه فيه وكرم أخلاقه ،وهو من معاصريه ،وقد عده كثير من العلماء أحد المجددين لهذا الدين ومنهم الآنسي حيث كتب إليه قصيدة يثني فيها قائلاً من ( الوافر):

                  وإنك عالم القرن المسمى
                  وإن مجدد المائة التي نحـ
                  ومجتهد الزمان بلا مراء
                  ن فيها لهو أنت بلا امتراء


                  ومن الذين أثنوا على الإمام شيخه عبد الله بن إسماعيل النهمي فإنه لما تخلف عنه الإمام الشوكاني أياماً لعذر أرسل إليه بأبيات يعترف له بالعلم والنباهة ...وهذا مطلعها من (البسيط):
                  مولاي عز الدين يا من حوى
                  ومن غدا من بين أقر انه
                  أفضل ما في النقل والسمع
                  بلا نظير قط في الجمع .


                  وبالجملة، أقول إن ديوان الشوكاني الشعري (أسلاك الجوهر،في نظم مجدد القرن الثالث عشر شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني )
                  وكتابه (البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع) خير دليلين يمثلان الشعر العربي في عصره .وللإمام الشوكاني شعر في كتب أخرى غير كتبه هو؛ فمثلاً أورد محمد بن محمد بن يحيى زبارة اليمني قصائد وأبيات متعددة في كتابه(نيل الوطر،من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر) ….
                  وهذا ما يعطي لنا نبذة من حال الشعر في عصر الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى، ويمثل لنا مكانة الشعر العربي في ذلك العصر …وبانتهاء الحديث عن أحوال العصر الذي عاش فيه الإمام يحسن البدء بإلقاء ضوء على حياته وأعماله ودراسة شعره.
                  خذ نفسك بالتقوى،وعامل غيرك بالفتوى

                  تعليق


                  • #10
                    فيما مضى:

                    المقدمة
                    والمدخل


                    وفيه:
                    (أحوال عصره)

                    أولاً: الحالة الدينية.
                    ثانياً: الحالة السياسية.
                    ثالثاً: الحالة الثقافية والدينية.
                    رابعاً: أحوال الشعر في عصره.
                    خذ نفسك بالتقوى،وعامل غيرك بالفتوى

                    تعليق


                    • #11

                      وإليكم:


                      الفصل الأول


                      حياته وشعره وبعض القضايا النقدية في شعره



                      المبحث الأول: حياته وأعماله
                      المطلب الأول: نسبه ومولده وثقافته.
                      المطلب الثاني: مذهبه وعقيدته.
                      المطلب الثالث: أساتذته وتلاميذه.
                      المطلب الرابع: مؤلفاته ووفاته .

                      المبحث الثاني: مظاهر شعره العامة
                      المطلب الأول: مصادر شعره.
                      المطلب الثاني: حجم إنتاجه الشعري.
                      المطلب الثالث: نفسه الشعري.

                      المبحث الثالث: بعض القضايا النقدية في شعره
                      (المطلع،حسن المقطع، وحدة القصيدة)
                      خذ نفسك بالتقوى،وعامل غيرك بالفتوى

                      تعليق


                      • #12
                        المطلب الأول: نسبه ومولده وثقافته

                        المطلب الأول: نسبه ومولده وثقافته
                        أ= اسمه، ولقبه، ونسبه:
                        هو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني،ثم الصنعاني علامة، فقيه، أصولي، محدث، مفسر، محقق، مؤرخ، لغوي، أديب، شاعر، قاض، مصلح، سياسي( )…ذكر اسمه ونسبه في البدر الطالع ثم أوصل نسبه إلى يعرب بن قحطان ثم إلى نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام،فإلى آدم وحواء سلام الله عليهما( ). ثم قال بعد ذلك إن "أنساب اليمن تنتهي إلى حمير وكهلان: ابني سبأ بن قحطان، وأن قحطان هو ابن عامر" ثم قال:" هذا هو المتفق عليه عند أهل الخبرة"( ).يتضح من ذلك نسبه اليمني والعربي الأصيل.أما الشوكاني فهو لقبه المشهور به"وهو نسبة إلى شوكان وهي قرية من قرى السحامية إحدى قبائل خولان بينها وبين صنعاء دون مسافة يوم واحد"( )وذكر بأن النسبة إلى (شوكان) ليست نسبة حقيقية "لأن وطن والده، ووطن سلفه وقرابته هو مكان عدني( )شوكان،بينه وبينها جبل كبير مستطيل يقال له الهجرة،وبعضهم يقول له:هجرة شوكان،فمن هذه الحيثية كان انتساب أهله إلى شوكان"وأما الصنعاني فهذا اللقب غير مشهور به- وهو نسبة إلى صنعاء حيث انتقل إليها والده؛فهناك نشأ الشوكاني بها( ).ومما سبق يتضح أنه قد لقب بالشوكاني نسبة إلى عدني شوكان، أو هجرة شوكان، وهما اسمان لقرية واحدة بينها وبين صنعاء دون مسافة يوم، والصنعاني نسبة والده، الذي استوطن صنعاء( ).ويؤكد الزر كلي على ذلك اللقب قائلاً:"ولد بهجرة شوكان،من بلاد خولان باليمن ونشأ بصنعاء"( ).ويطلق مصطلح شوكان على عدة مواضع في العالم الإسلامي هي:"موضع بالبحرين، وحصن باليمن وبلدة في سرخس وايبورد…وهذه القرية التي ينسب إليها صاحب الترجمة-والد الشوكاني-وهو من أعظم الحصون باليمن"( ).ويطلق الكلمة نفسها على أربعة مواضع داخل اليمن( ).يقول محققو السيل الجرار للشوكاني:"وعندنا أن الشوكاني قد بلغ القمة عندما انتسب إلى مجتمع هذه صفته…وقد ارتفع بفكرة النسب إلى مستوى تدفع الغافلين إلى أن يفتحوا أعينهم إلى الأصالة التي يجب أن تقدر…قطاع صغير من الشعب اشتهر بالعلم وتبادلت بطونه شرف الانتساب إليه فلم تخل الهجرة من علماء أجلاء وقضاة زعماء أمناء على دين الناس ووطنيتهم معاً"( ).
                        ب = مولده:
                        ولد الشاعر الإمام محمد بن علي الشوكاني ظهر الاثنين الثامن والعشرين من ذي القعدة سنة 1173هـ( ) كما يذكر تاريخ مولده في ترجمته:"ولد حسبما وجد بخط والده في وسط نهار يوم الاثنين الثامن والعشرين من شهرذي القعدة سنة 1173 الهجرية بمحل سلفه المتقدم…"( )بهجرة شوكان أثناء رحلة قام بها الأبوان إلى موطنهما الأصلي فقد كانت الأسرة استوطنت صنعاء من قبل."ولا مجال للخلاف في تاريخ مولده بعد هذا النص منه،ومن والده"( ).وهناك نفر من الباحثين يخطؤن في تاريخ مولده كما انتبه لذلك الدكتور عبد الغني الشرجي حيث قال:"ومن الأخطاء ما ذكره (أحمد أمين)صاحب كتابيفيض الخاطر)و(زعماء الإصلاح في العصر الحديث)حيث جاء فيهما: "وفي اليمن ظهر أعلم علمائه وإمام أئمته..وهو الإمام الشوكاني المولود سنة 1172هـ ( ). و يضيف أيضاً ما ذكره صاحب درر نحور العين، حيث ذكر بأن مولده في عام 1177هـ( ).وما ذكره القاضي محمد الحجري أنه قد ولد عام 1172هـ( ).ويذكر الشرجي ملاحظة الزر كلي (صاحب تراجم الأعلام) على صديق حسن خان صاحب(أبجد العلوم) حيث قال:"وجدت على ظهر كتاب الدراري المضيئة أن مولده عام 1177هـ…"( ).ورجع الدكتور عبد الغني إلى كتاب (الدراري المضيئة)؛ فوجد أن تاريخ مولده صحيح، وليس كما قال صاحب(أبجد العلوم)( ).وأخطأ أيضاً صاحب(المنجد في الأدب والعلوم)حيث ذكر بأنه ولد عام 1758م( )ويقول الزر كلي:"لا مجال للاختلاف في تاريخ مولده بعد أن ذكره هو في البد ر الطالع، نقلاً عن خط والده أنه ولد سنة 1173هـ"( ).
                        ج = نشأته، وثقافته:
                        نشأ الإمام الشوكاني- رحمه الله -في أسرة عريقة في الدين وسياسة الدنيا، فأسرته تنسب إلى هجرة شوكان"وهذه الهجرة معمورة بأهل الفضل والصلاة والدين من قديم الأزمان لا يخلو وجود عالماً منهم في كل زمن،ولهم عند سلف الأئمة مكانة عظيمة وفيهم رؤساء كبار ناصروا الأئمة،ولاسيما في حروب الأتراك،فإن لهم في ذلك اليد البيضاء وكان فيهم إذ ذاك علماء وفضلاء يعرفون في سائر البلاد الخولانية بالقضاة"( ).
                        ولقد ربى علي الشوكاني ابنه البار محمد الشوكاني تربية حسنة ويعترف شاعرنا هذا بحسن رعاية والده له قائلاً:"ولقد بلغ معي إلى حد البر والشفقة والإعانة على طلب العلم والقيام بما أحتاج إليه مبلغا عظيماً بحيث لم يكن لي شغل بغير الطلب ،فجزاه الله خيراً وكافأه بالحسنى."( )فكان والده باراً به رحيماً عليه أعانه على طلب العلم فلم يلجئه إلى ما يصرفه عن هذا الطلب…يصف الشوكاني والده بالسيرة المحمودة،والقناعة والتعفف،والزهد في الدنيا، وبرغم أن القضاء كان صناعة تدر على أصحابها الكثير فقد تنزه الوالد عن الشبهات..واستمر في القضاء أربعين سنة وهو لا يملك بيتاً يسكنه فضلاً عن غير ذلك،بل باع بعض ما تلقاه ميراثاً من أبيه من أموال يسيرة في وطنه ولم يترك عند موته إلا أشياء لا مقدار لها…( ).وكان ذا أخلاق متميزة منها الكفاف في المأكل والمشرب، وكان يعامل الناس بخلق حسن، فليس عنده حسد ولاغل ولاسخط على أحد ولا يذكر أحدا بسوء ،كائنا من كان،صابراً على نوائب الزمن وحوادث الدهر …محافظا على أمور دينه مواظبا على الطاعة متعاطفاً مع الفقراء منفقاً عليهم بما يفضل عن كفايته،غير متصنع في كلامه…( ). وبالجملة:إن من عرفه حق المعرفة تيقن أنه من أولياء الله،توفي هذا الوالد الداعية في عام 1211هـ ( )بعد أن بلغ ابنه الثامنة والثلاثين وبعد أن رآه متولياً للقضاء الأكبر في صنعاء ثلاثة أعوام.
                        لم يذكر الشاعر الشوكاني عن طفولته ولكن من المؤكد أنه أعد منذ نعومة أظفاره لما كان له بعد،فقد حفظ القرآن الكريم وجوده وكما حفظ عددا كبيراً من المتون والمختصرات في فنون متعددة قبل أن يبدأ عهد الطلب قبل أن يكمل العاشرة من عمره …وفي هذه السن المبكرة"كان كثير الاشتغال بمطالعة كتب التاريخ ومجا ميع الأدب"( ).ثم اتصل بكبار المشايخ …وإذا عرفنا أنه تصدر للإفتاء وهو في سن العشرين عرفنا كيف كانت حياة هذا التلميذ النجيب الجاد الذي لم يسمح له أبوه بالانتقال من صنعاء.
                        وكان الشوكاني في حياته الدراسية لا يكتفي بدراسة الكتاب بل كان يتتبع بالكتاب الواحد عدداً من أساتذته حتى يستفرغ ما عندهم من مادة، كما فعل بشرح الأزهار حيث قرأه على أربع من العلماء، أحدهم والده وأخرهم شيخ شيوخ الفروع أحمد بن محمد الحرازي( )الذي لازمه ثلاثة عشر عاما حتى تخرج على يديه؛ فقرأ عليه شرح الأزهار ثلاث مرات اثنتان إلى ما تدعو إليه الحاجة ومن الثالثة يقول الشاعر: "استكملنا الدقيق والجليل من ذلك مع بحث وتحقيق"( ).
                        وإذا رجعنا إلى قائمة الكتب التي قرأها الشوكاني على أساتذته علمنا أن عهد الطلب كان عهداً جاداً شاقاً لا مجال- فيه للهو أونوم…وقد جمع الشوكاني شتى المعارف التي كانت تدرس في أي جامعة إسلامية حينذاك، والعلم الذي لم يجد له عالماً اعتمد في دراسته على نفسه، ومن الطبيعي يومئذ أن نجد الطالب يزاحم شيوخه وهو مازال في عهد الطلب،فلا يكاد ينتهي المدرس من حصته وينفض الزملاء (الطلاب) من حوله حتى يتجمعوا مرة ثانية على الشوكاني ليقف من زملائه موقف الأستاذ؛فبلغت دروسه في اليوم ثلاثة عشر درساً ما بين دروس يتلقاها وأخرى يلقيها…وغالب الظن أنه تصدر للتدريس ولما يبلغ العشرين من عمره،كما أنه لم يترك طلب العلم طول حياته ،ولم تكن شهرته قاصرة على علم دون علم،بل كان متفوقاً في كل فن عربي إسلامي( ). ولذلك عندما فرغ نفسه لإفادة الطلبة"كانوا يأخذون عنه في كل يوم زيادة على عشرة دروس في فنون متعددة واجتمع منها في بعض الأوقات التفسير والحديث والأصول والنحو و الصرف والمعاني والبيان والمنطق والفقه والجدل والعروض والشعر وغير ذلك…كما كان يفتي أهل صنعاء وهو الطالب،بل ترد عليه الفتاوى من الديار التهامية وشيوخه إذ ذاك أحياء( ).


                        خذ نفسك بالتقوى،وعامل غيرك بالفتوى

                        تعليق


                        • #13
                          المطلب الثاني: مذهبه وعقيدته

                          المطلب الثاني: مذهبه وعقيدته:
                          إن عقيدة الإمام التي ارتضاها ودافع عنها هي عقيدة السلف الصالح مخالفا آراء المذاهب الكلامية،والفلسفية، يقول الإمام الشوكاني في مسألة الصفات: "فلا ينبغي لعالم أن يدين بغير مادان به السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم من الوقوف على ما تقتضيه أدلة الكتاب والسنة وإبراز الصفات كما جاءت"( ).ولقد درس كتب علم الكلام فخرج بنتيجة دوَّنها في كتبه، كما يؤكد ذلك بنفسه قائلاً: "ولتعلم أني لم أقل هذا تقليداً لبعض من أرشدني على ترك الاشتغال بهذا الفن كما وقع لجماعة من محققي العلماء،بل قلت هذا بعد تضييع برهة من العمر في الاشتغال به وإحفاء السؤال لمن يعرفه والأخذ عن المشهورين به والإكثار على مطالعة كثير من مختصراته ومطولاته."( )
                          ذكر إبراهيم هلال( ) ثلاثة محاور رئيسية في جهود الإمام الشوكاني الإسلامية وهي كالتالي:
                          1. دعوته إلى فتح باب الاجتهاد .
                          2. دعوته إلى العقيدة السلفية في بساطتها أيام الرسول والصحابة رضوان الله عنهم أجمعين.
                          3. دعوته إلى تطهير العقيدة وتنقيتها من مظاهر الشرك الخفي( ). وهذه المحاور الثلاثة ظاهرة من خلال مؤلفات الإمام الشوكاني ورسائله، إذ تميز عن علماء عصره بهذه الآراء السديدة.وفعلاً قد شرع في الاجتهاد المطلق قبل الثلاثين( )، وألف كتاباً باسم"القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد"رداً على القائلين بجواز التقليد وشدد في تحريمه له( )، كما واجه حملة مخالفيه ضده وردَ عليهم قائلاً : "ولقد كان لي مع هؤلاء في أيام الاشتغال بالدرس والتدريس وعنفوان الشباب وحد ة الحداثة قلاقل وزلازل جمعت فيها رسائل" ثم يذكر شيئاً من كلامه الشعري ويقول: "وما قلته من الأشعار الجارية في هذا المضمار فهو كثير جداً يحتاج إلى مؤلف مستقل،وقد حكيت بعض ما وقع لي مع هؤلاء المتقلدة في الكتاب الذي سميته"أدب الطلب ومنتهى الأرب"( ) وبهذا يكون رحمه الله من الذين ردوا على من أغلقوا باب الاجتهاد( )،أما دعوته إلى العقيدة السلفية،فيرى الإمام الشوكاني "أن طرق المتكلمين لا توصل إلى يقين،ولا يمكن أن تصيب الحق فيما هدفت إليه ؛لأن معظمها قام على أصول ظنية لا سند لها إلا مجرد الدعوى على العقل والفرية على الفطرة،فكل فريق منهم قد جعل له أصولاً تخالف ما عليه الآخر،وقد أقام هذه الأصول على مارآه عنده هو صحيحا من حكم عقله الخاص المبني على نظره القاصر ،فبطل عنده ما صح عند غيره،وقاسوا بهذه الأصول المتعارضة كلام الله ورسوله في الاجتهاد وما يتصل بها من العقائد،فأصبح كل منهم يعتقد نقيض ما يعتقد الآخر وكل منهم يزعم أن العقل يقتضي ما يعتقده"( ). ولقد كتب في ذلك رسالتين يدعو فيهما إلى الاتجاه السلفي في العقيد ة هما: التحف في مذهب السلف، وكشف الشبهات من المشتبهات( ).وأما دعوته إلى تطهير الاعتقاد، فللإمام الشوكاني رأي في ما أدخله غلاة الشيعة و الصوفية على العقيدة الإسلامية من جراء رفع القبور وبناء القباب وتجميلها على الأموات من أئمتهم وأوليائهم وجرهم العامة لزيارتها واعتقادهم فيهم القدرة على الضرر والنفع، ودعوة هؤلاء الأموات مما لايمكن أن يتفق مع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله،وأنه من الواجب على كل مسلم أن يخلص شهادة التوحيد لله جل جلا له،والرسول صلى قد نهى عن رفع القبور أو بناء المساجد عليها( )،وأضاف على هذا قائلاً:"هذا الأمر إنما هو من تزيين الشيطان لطائفة من الناس أرادوا وراء هذه الأعمال أن ينالوا جانباً من حطام الدنيا،وقد حصلوا بهذا أموالاً طائلة ما لو جمعت لكفت قرية كبيرة أو أغنت طائفة عظيمة من الناس"( ).ولقد ألف الإمام الشوكاني في هذا رسالته"شرح الصدور بتحريم رفع القبور"رد فيها على الذين يجوزون رفع القبور وأكثر فيها من الأدلة،وقد أوضح هذه المسألة أبلغ توضيح كما قال في رسالته "الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد"( ).فهو دائماً يدعو إلى سلوك منهج الحق الواضح السنن،الذي يعتمد الكتاب الكريم والسنة النبوية أساساً له،ويوجب على نفسه والمسلمين الرجوع إلى الكتاب والسنة عند أي اختلاف ليفصلا بينهم،وليقول الحق مقالته،فمن خالف ذلك فقد زلت به نحو الحضيض قدمه،واستحق الرد والتوجيه،فما في غير هما من الأقوال خير عند التمحيص والاختبار،كما يقول من (الوافر):
                          ونهج الحق لانبغي سواه
                          إليه جل مقصدنا يعود

                          وأنا نجعل القرآن جسرا
                          فمصدرنا عليه والورود

                          نردّ إلى الكتاب إذا اختلفنا
                          مقالتنا وليس لنا جحود

                          كذاك إلى مقام الطهر طه
                          وكل مخالف ما قدم
                          وما في " قال زيد" "قال عمرو"
                          نرد وفي الكتاب لذا شهود
                          عليه الأمر تطرقه الردود
                          مفاد إن تزاحمت الوفود( )

                          يبكي الإمام على أحد زملائه الذي توفي، والذي كان داعية إلى المنهج الحق وإن ارتحال رجالات العلم وأعلام الدعوة في عصره ينذر بعودة الناس إلى ما كانوا عليه من الجهل، وارتكاب البدع والخرافات، وتجنب المنهج الحق الذي يجب أن يسلكوه ليوصلهم بر الأمان وشاطئ السلام…إنه يقول في مرثيته له من (الطويل):
                          به هد ركن الدين وانبت حبله
                          وقام على السلام جهرا وأهله
                          وسيم منار الأتباع لأحمد
                          فيا مهجتي ذوبي أسى وتأسفاً
                          فقد مات طود العلم،قطب رحى العلا
                          وماتت علو م الدين طراً بموته
                          وشد بناء الغي مع كل باطل( )
                          نعيق غراب بالمذلة هائل
                          هوان انهدام جاء من كل جاهل
                          ويا كبدي موتي بحزن مواصل
                          ومركز أدوار الفحول الأفاضل
                          وغيب وجه لاحق تحت الجنادل( )

                          لماذا يبكي الإمام الشوكاني هذا الشيخ الراحل؟! إنه يبكيه ويأسى عليه ويألم لفقده؛لأن الراحل كان إماماً مجاهداً،أخلص نفسه للدفاع عن الإسلام وتصحيح العقيدة في النفوس،في بقعة عزيزة من بقاع الإسلام ران عليها الجهل،وامتلأت بالخرافات فترة من الزمن غير قصيرة،جد دلها الدين وأحيا للتوحيد فيها ربوعاً؛ من (الطويل):
                          فلو لاه لم تحرز رحى الدين مركزاً
                          ولا كان للتوحيد واضح لاحب
                          فما هو إلا قائم في زمانه
                          ولا اشتد لإسلام ركن المعاقل
                          يقيم اعوجاج السير من كل عاذل
                          مقام نبي في إماتة باطل( )

                          فلم لا يبكيه وهذه آثاره،بل أكمل بجملة أخرى مزكياً قوله الأول:
                          مذهبه الفقهي، وموقفه من الزيدية:
                          وأما مذهبه الفقهي فهو يخبرنا عنه بنفسه قائلاً: "وترك التقليد واجتهد رأيه اجتهاداً مطلقاً غير مقيد وهو قبل الثلاثين"( )؛ لكن إذا كان هذا هو مذهبه فما هو موقفه من الزيدية؟ الحق إنه كان يحترم الزيدية في عصره، وإن مما يدل على ذلك تأليف كتابه"در السحابة في مناقب القرابة والصحابة"حيث خصص لأهل القرابة بابا كاملاً وهو الباب الثالث في مناقب أهل البيت عموماً وخصوصاً"ذكور هم وإناثهم مما يدل على عدم إنكاره على الزيدية المعتدلين"وفي المقابل كتب رسالة أخرى سماها:إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي"نقل فيها إجماع أهل البيت من ثلاث عشرة طريقة على عدم ذكر الصحابة بسب أو ما يقاربه،واقتصر فيها"على نصوص الأئمة من أهل البيت حتى يكون أوقع في نفوس من يكذب عليهم وينسب إلى مذاهبهم ما هم فيه براء"( ). وألف هذه الرسالة في سنة 1258هـ ولقد وقعت من جرائها فتنة كبيرة فرقت العلماء من ساكت ومداهن وثابت على الحق، ولكنهم قليل( ).والإمام الشوكاني لم يقصد هنا الطعن في آل البيت، إنما قصد المقلدة المتعصبين لبيان ماهم فيه، لكنهم تجاهلوا هذا وصبوا عليه جام غضبهم وقهرهم...هذا، وكما "يقف موقفاً واحدا من جميع المذاهب في عدم جواز تقليدها ،ولا يخص مذ هب الزيدية بتحريم التقليد فيه"( ).
                          وبالجملة أقول: هذا رأيه وإنني أرى أن دعوة التشنيع على التقليد-بعمومه- دعوة هدامة ومغرضة ولا يصح تأييدها أو نصرتها لأن ظاهرها حق وباطنها أو حقيقتها مهلكة والقضية فيها تفصيل كثير، ليس من موضوع البحث هذا،كما أنني لا أؤيد التعصب بل هو مذموم ولكن الأمر بالجملة لايرفض ولا يقبل وإنما هناك حدود يجب مراعاتها. وأخيرا فإن الشاعرالإمام الشوكاني ترك الزيدية جملة وتفصيلاً مع احترامه لأهل الزيدية وعلمائهم، وليس أدل على ذلك من كتابه (البدر الطالع )عندما يذكر أئمتهم يذكرهم بتمام الاحترام وكل التوقير، حيث يستخدم لهم ألفاظاً جميلة مثل: الإمام و السيد وغير ذلك( ).وقال بعض من ترجمه له: "وحاشاه من التعصب على من أوجب الله محبتهم، وجعل أجر نبينا صلى الله عليه وسلم في تبليغ الرسالة ومودتهم"( ).

                          خذ نفسك بالتقوى،وعامل غيرك بالفتوى

                          تعليق


                          • #14
                            المطلب الثالث: أساتذته وتلاميذه

                            المطلب الثالث: أساتذته وتلاميذه:
                            أ.أساتذته:
                            بدأ محمد بن علي الشوكاني بقراءة القرآن وهو طفل ثم ختمه وجوده،ثم حفظ الأزهار للإمام المهدي ،ومختصر الفرائض للعصيفري ،والملحة للحريري والكافية والشافية لابن الحاجب ،والتهذيب للتفتزاني، والتلخيص للقزويني ، والغاية لابن الإمام ،وبعض مختصر المنتهي لابن الحاجب ،ومنظومة الجزري ،ومنظومة الجزاز في العروض ،وآداب البحث للعضد،ورسالة الوضع له ،ومختصرات أخرى فكان حفظه لهذه المختصرات قبل الشروع في الطلب( )،وبعضها بعد ذلك ؛فنجده قد تنوعت معارفه وعلومه منذ الصغر؛ لذلك كثر شيوخه وأساتذته ،وتتلمذ الشوكاني على كثير من علماء عصره وقرأ عليهم "بتمحيص وإتقان وتحقيق كل ما عندهم من مختلف العلوم والفنون من الفقه وأصوله والحديث ورجاله وفنونه والتفسير واللغة والأدب والمنطق والتاريخ والسير والمذاهب"( )، وكان من حظ الشوكاني أنه قد وجد في طفولته أباً،عالماً،بدأ طلب العلم على يديه ثم دفعه إلى مواصلة الطلب لدى مشايخ زمانه ،لينهل من علومهم ما يشق به طريق حياته العلمية،وترد هنا تلك الزمرة من المشايخ،الذين كان لهم الفضل في نمائه العلمي وإبداعه الشعري لقد كثر أساتذة الشوكاني واختلف في عددهم الدارسون، فقد أوصلها الحوثي إلى عشرين شيخاً قائلاً:" إنهم ليوفون على العشرين"( )وقد عد منهم الدكتور إبراهيم هلال محقق كتاب قطر الولي أحد عشر شيخاً( )،يوافقه في ذلك الدكتور عبد الغني الشرجي وكما يضيف إلى هؤلاء ستة شيوخ آخرين،قائلاً"…وبذلك بلغ عدد أساتذته إلى سبعة عشر شيخاً"( )،ويسرد الدكتور محمد حسن الغماري شيوخ الشوكاني مجدولين على حسب المعجم ويصل عددهم عنده إلى أربعة عشر شيخاً( ). وكما يذكر الدكتور حسين عبد الله العمري في الديوان شيوخ الشوكاني مرتبين وفق سني وفياتهم ويعد منهم ثلاثة عشر شيخاً( ). هذا، ولقد ذكر الشوكاني نفسه شيوخه الذين تتلمذ على أيديهم في كتابه التاريخي الموسوعي"البد ر الطالع"، وبالتتبع والاستقراء لوحظ أنهم سبعة عشر أستاذاً، وسأذكر شيوخه الذين تأثر بهم في الأدب أو الشعر-بالتحديد- أو كان سبباً في تنشيط قريحته الشعرية؛حيث قرض الشعر بسببهم وهم كالآتي:
                            1-والده القاضي علي بن محمد الشوكاني:
                            وقرأ عليه شرح الأزهار،وشرح الناظر المختصر للعصيفري،وإن تأثيره في تنشئة الإمام واضح جلي وتحدثت عن ذلك سلفاً ؛حيث يذكره في شعره منذ نعومة أظفاره وحتى الموت .
                            2- إسماعيل بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن الإمام القاسم : ( )
                            يقول عنه الشوكاني:"…وكنت من جملة من افتتح عليه في العربية؛ فقرأت عليه ملحة الإعراب للحريري، وشرحها وكان بي عناية كاملة وله مشاركات قوية في علم الصرف والمعاني والبيان والأصول، ومن بركته المجربة أني تصدرت للتدريس في الملحة وشرحها قبل الفراغ من قراءتها عليه…"( ) ذكر الشوكاني شيخه هذا في كثير من شعره،لا مجال لسرده هنا.
                            3-الحسن بن إسماعيل المغربي: ( )
                            قال عنه الشوكاني:"…من العلماء الذين إذا رأيتهم ذكرت الله"( )،وقد تأثر به الشوكاني ،وأخذ عنه اللغة والأدب وبعض شرح ابن رسلان( )ورثاه شاعرنا الإمام بقصيدة رائعة مطلعهامن (الطويل):
                            كذا فليكن رزء العلى والعوالم
                            أما آن للأرض لتزلزل بعدما
                            فكيف ثبوت الشهب والبدرقدثوى
                            ويقول من (الطويل): ومن مثل ذا ينهد ركن المعا لم
                            هوى جبل العلم الطويل الدعائم
                            ببطن الثرى واغبر أفق المكارم( )

                            فلهفي على ذاك التواضع إنه
                            تعاظم فيه الرزء كل التعاظم( )

                            4-عبد القادر بن أحمد الكوكباني: ( )
                            قرأ عليه الشوكاني في العروض:منظومة الجزاز وشرحها،وفي اللغة:بعض صحاح الجوهري،وبعض القاموس،مع مصنفه الذي عنونه بـ"فلك القاموس( ).
                            ومن شيوخه:أحمد بن عامر الحدائي( )وأحمد بن محمد بن أحمد بن مطهر القابلي( )، وأحمد بن محمد يحيى المرتضى،وعبد الرحمن بن حسن الأكوع( )،وعبد الرحمن بن قاسم المداني( )،وعبد الله بن إسماعيل النهمي( )،وعبد الله بن الحسين بن علي( )،و علي بن إبراهيم بن أحمد بن عامر( )،وعلي ابن هادي عر هب الصنعاني( )،وهادي بن حسين القارني( )،ويوسف بن محمد بن علاء الدين المزجاجي الحنفي( )، هذا،ومن الملاحظ بأن صاحب" نيل الوطر"زاد وأنقص في أسماء هؤلاء الشيوخ؛ فمما زاده:الفقيه حسن بن عبد الله الهبل، والسيد يحيى بن محمد الحوثي، ومما أنقصه فلم يذكره هو:أحمد ابن محمد بن أحمد بن مطهر القابلي، وعبد الله بن الحسن بن علي،وعلي بن محمد الحواشي،ويوسف ابن محمد المزجاجي( ).
                            تلاميذه:
                            ذكرت –سلفاً-أن الإمام الشوكاني كان يدرس أثناء طلب العلم؛من أجل ذلك اضطرب الدارسون في حصر عدد تلاميذ الشوكاني المشهورين، حيث ذكر د.إبراهيم هلال ثلاثة عشر تلميذاً( )،وقد أورد الشجني وهو تلميذ الإمام الشوكاني ثمانية وستين تلميذاً( )،وذكر صاحب "نيل الوطر "خمسة عشر تلميذاً( ) وذكر الدكتور عبد الغني الشرجي اثنين وتسعين تلميذاً له( )، وأما محققو إرشاد الفحول للشوكاني فقد أوصلوا عدد طلابه المباشرين وغير المباشرين إلى سبعة وثمانين طالباً( )ويذكر الدكتور محمد حسن الغماري ثلاثة وثلاثين تلميذاً( ) فإنني لست بصدد ذكرهم جميعاً، وإنما أكتفي بإشارات عابرة للذين كان عندهم إلمام بالأدب والشعر فقط:
                            1--لطف الله بن أحمد جحاف علامة عصره، الفقيه الشاعر طفق يدرس عن الشوكاني وعن غيره من العلماء حتى أصبح من أعيان العصر وهو في سن الشباب ومن مآثره أنه كان ينظم القصيدة الطويلة في أسرع وقت ،وله من الكتب:المرتقى إلى المنتقى ،ودرر نحر الحور العين في سيرة المنصور علي وأعلام دولته الميامين الذي ترجم فيه لشيخه الشوكاني أيضاً،ومات سنة 1243هـ( )
                            2- عبد الله بن عيسى الكوكباني ولعله يعد من أقران الشوكاني،حيث ولد عام 1175هـ( ) فقد شارك الشوكاني في عدد من مشايخه ،وقرأ عليه في علوم الآ لة،والحديث،والأدب ،وقد دارت بينه وبين الشوكاني محاورات عبر رسائل وردود بالشعر والنثر( )وتوفي عام 1224هـ( ) رحمه الله تعالى.
                            3- العلامة القاضي محمد بن الحسن الشجني الذماري الأديب المؤرخ ،ألف الكتاب المشهور "التقصار في جيد زمن علامة الأقاليم والأمصار"خصصه في ترجمة شيخه الشوكاني، وله باع في الأدب,والشعر،وتوفي عام 1286هـ( ).
                            4- علي بن إسماعيل بن القاسم بن أحمد بن الإمام المتوكل على الله إسماعيل ذلك الشاعر الذي ولد عام 1151هـ وتتلمذ على يد الشوكاني حتى سمع منه رسالته: "الدرر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد"ولهذا العالم ديوان شعر سماه"السفينة"وقد أثنى عليه الشوكاني،ونعته بأنه في الذروة من البلاغة( ).
                            5- أحمد بن لطف الباري بن أحمد بن عبد القادر الورد(1191-1282هـ)وكان خطيب صنعاء وابن خطيبها المفوه ،وقد أخذ عن شيخه الشوكاني( ).
                            6 - إبراهيم بن أحمد بن يوسف الرباعي:
                            ولد عام 1199هـ وقرأ على الشوكاني تفسيره فتح القدير،وشرح الرضي على الشافية لابن الحاجب،وغير ذلك( ).
                            7-أحمد بن حسين الوزان الصنعاني: (1186-1238)هـ
                            تتلمذ على الشوكاني في"الجامع الكبير"بـ"صنعاء"وقد جود الشوكاني أدبه وشعره، وكان شاعرا( ).
                            8- أحمد بن عبد الله العمري، الضمدي(1170-1212هـ)وقرأ عليه في الأصول"شرح الغاية"، وكثيراً من السنن والصحاح، وقد أجاب الشوكاني عن أسئلة لتلميذه هذا بمؤلف هو:"عقود الزبرجد في جيد علامة ضمد ( ).
                            9- أحمد بن محمد بن علي الشوكاني (1229-1281 هـ)وهو ابن الإمام الشوكاني،وقد تولى القضاء الأكبر بـ"صنعاء"وكان من أكابر علماء القطر اليمني بعد وفاة والده ( ).
                            10-أحمد بن محمد بن حسن بن حسين بن علي بن حسين بن الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن الإمام القاسم.(1210هـ) قرأ على شيخه في علوم الآ لة،وعلم البيان،وشرح المنتقى،واستمر طالباً عنده حتى سنة 1242 هـ( ).
                            11-السيد العلاَّمة المحسن بن عبد الكريم المولود سنة 1191هـ ذلك الشاعر الذي قرض الشعر وكان في المهد صبيِّا و قال عنه الشوكاني:"... كان له شعر ولم يكن إذ ذاك قد اشتغل بالطلب، فعجب من ذلك جميع الأعلام وأقبلوا عليه وامتدت أعناقهم إليه فلم تمر الأيام بعد ذلك حتى ظهر له النظم الجيد الفائق وما زال ينمو نمو الهلال حتى بلغ أعلى مراتب الكمال"توفي-رحمه الله- ليلة الأربعاء خامس ذي القعدة عام 1266هـ.
                            12- يحيى بن مطهر،الحسني ا لصنعاني 1190-1268هـ فقيه ،عالم،مؤرخ، شاعر،مدرس، أحد أحفاد الإمام القاسم بن محمد أخذ عن شاعرنا الإمام كثير من مؤلفاته ومن أمهات الست وبعض الصحاح وغير ذلك من علوم الحديث والتفسير ...وله مراسلات شعرية مع شيخه الشوكاني وغيره من معاصريه( ).
                            13- السيد القاضي محمد بن علي العواجي المولود في 1194هـ وقرأ عليه في النحو والصرف ،والمعاني، والبيان، والتفسير،والأصول، وفي الأمهات الست،وفي نيل الأوطار،وفي فتح القدير؛ولقد برع في العلوم كلها وله مؤلفات كثيرة) (.
                            14-إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الإمام المهدي(1165-1237 هـ)قرأ على الشوكاني في مختلف العلوم من الفقه والتفسير والنحو والصرف و… وقد أثنى عليه الشوكاني قائلاً: "لا أعرف من أهل زماني مثل السيد إسماعيل بن إبراهيم في احتماله وصبره وحسن خلقه،وما زال ملازماً لي زيادة على أربعين سنة،لم أعرف منه غضبة غضبها،ولو مرة واحدة،مع كثرة ما يحصل بين التلاميذ من طلب العلم من المذاكرة،والمناظرة،المؤدية إلى ذلك فيما بينهم…"( ).
                            15-حسن بن أحمد بن يوسف الرباعي الصنعاني،مولده على رأس القرن الثاني عشر،وتوفي عام 1276 هـ قرأ على الشوكاني الكشاف"لأبي القاسم الزمخشري"و"نيل الأوطار"وقرأ عليه في علم المعاني والبيان،وفي الصحيحين،والسنن( ).
                            ومن تلاميذه أيضاً:الحسين بن قاسم المجاهد( ). والحسين بن محمد بن عبد الله العنسي، الصنعاني،الكوكباني( ). وسيف بن موسى بن جعفر البحراني( )، وصديق المزجاجي الزبيدي( )،وصالح بن محمد العنسي الصنعاني( )،والحسن بن أحمد التهامي( )،ويحيى بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني،( ).وأحمد بن زيد الكبسي الصنعاني( )، وأحمد بن علي محسن بن أحمد الطشي الصعدي( )، وأحمد بن الإمام المنصور علي بن الإمام المهدي لدين الله العباس( )، و أحمد بن علي بن محسن بن المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم( )، وأحمد بن محمد بن أحمد بن مطهر القابلي الحرازي( ).
                            ومن تلا ميذه غير المباشرين أود أن أذكر منهم صديق حسن خان( )أمير بوهبال بالهند،وكذلك صاحب نيل الوطر محمد بن محمد بن يحيى الحسني…
                            وأكتفي بهذا القدر من ذكر طلبته الكرام، والحقيقة أن الشوكاني رحمه الله قد أثر بعلمه في جيل كامل، بلغوا الجوزاء( )علماً، وسارت بأحاديثهم الركبان.
                            المطلب الرابع: مؤلفاته، ووفاته:
                            كان الشوكاني يهتم بكتبه كما تحدث هو في اعتزاز يدل على مدى عنايته بها،فقد كان يؤلف كتبه لأهداف محدودة فيعالج مشاكل دينية أو يوضح جانباً من جوانب العلوم الشرعية،ويسد ثغرة في مجالها؛أو ليقف في وجه تيار من تيارات الجهالة والتعصب.وكانت طريقته في التأليف أنه كان يؤلف كتبه بداية مسودات،ويقرأ الكثير منها على أساتذته الكبار أو تلاميذه الأفذاذ،ثم يقوم بتبييضها بعد ذلك.ولاشك أن طريقته هذه تدل على حرصه على سلامة المؤلف،فلا يترك فرصة لتشويه ما يكتب عن قصد أو غير قصد،حتى إنه كان يشير إلى الكتاب الذي لم يتمكن من تبييضه( ).
                            يذكر الشوكاني محاكاته في ممارسة التأليف إحدى الشخصيات( )التي مارست عادة التأليف اليومي وإن قل"وكنت أعجب من سرعة ما يتحصل له من ذلك مع شغلته بالتدريس فسألته بعض الأيام عن هذا فقال: إنه لا يترك النسخ يوماً واحداً، وإذا عرض ما يمنع فعل من النسخ شيئاً يسيراً، ولو سطراً أو سطرين ؛فلزمت قاعدته هذه ،فرأيت في ذلك منفعة عظيمة"( ).ويذكر الشجني –أحد تلاميذه-نشاطه في ميدان التأليف قائلاً: "وبعد أن ولي القضاء، لم يزل مشغولاً بتأليف الكتب المفيدة؛ فإن أكثر تآليفه وأكبرها إنما كان بعد أن ولى القضاء، ووسع الله له في أوقاته توسيعاً يلحق بالمعجز..."( ) وفعلاً فإن الإمام الشوكاني لم يترك فناً إلا وقد كتب فيه، وخاصة في العلوم الدينية، إذ تنوعت كتبه بتنوع الفنون وتعددت بتعدد الأحجام، فكان منها المجلدات، والرسائل، والمختصرات، وقد عدها في كتابه البدر الطالع (96)ستة وتسعون مؤلفاً، وقال معقباً بعد سرده لها: "هذا ما أمكن خطوره بالبال حال تحرير هذه الترجمة، ولعل ما لم يذكر أكثر مما ذكر"( )، [يقصد مؤلفاته].ولقد جمع الدكتور إبراهيم هلال كتبه المخطوطة منها والمطبوعة، فكانت(131)مائة وإحدى وثلاثين مخطوطة، و(20)عشرين مطبوعة( )وأما الدكتور محمد حسن الغماري فقد أوصلها إلى (189)مائة وتسع وثمانين مخطوطة و(38)ثمانية وثلاثين مطبوعاً( ).وعند صاحب"الإمام الشوكاني رائد عصره"بلغت(240)مائتين وأربعين مخطوطة، والمطبوع منها(38)ثمان وثلاثون.( ) وهناك من يزعم بأن عدد مؤلفاته هو عدد سور القران الكريم، حيث يصل إلى(114) مائة وأربعة عشر مؤلف.( )وعند إحصائي لمؤلفاته في المصادر والمراجع والقائمة( )وجدت أنها تزيد على (260)مائتين وستين مؤلفاً، بين كتاب كبير في مجلدات، وكتاب صغير في مجلد، وبين رسائل كبار وأخرى أصغر منها، وبين أجوبة وبحوث مطولة، وأخرى مختصرة في صفحات يسيرة، ولعل أهم كتبه ورسائله المطبوعة:
                            1-"البدر الطالع، بمحاسن من بعد القرن السابع "–في التاريخ والتراجم-وفيه باع أدبي غير قليل – بنثر وشعر-.وهو في مجلدين.
                            2-"فتح القدير، الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير"في خمسة مجلدات.
                            3-"نيل الأوطار، شرح منتقى الأخبار، من أحاديث سيد الأخبار"في ثمانية أجزاء كبيرة.
                            4-"إرشاد الفحول، إلى تحقيق الحق من علم الأصول"في مجلد.
                            5-"الدرر البهية، في المسائل الفقهية"وشرحها"الدراري المضية" في جزئين….
                            6-"السيل الجرار، المتدفق على حدائق الأزهار" ويقع في أربعة مجلدات.
                            7-"أسلاك الجوهر"الديوان الشعري( ).
                            8-إتحاف الأكابر، بإسناد الدفاتر" ويقع في 117 صفحة.ثبت فيه مرويا ته.
                            9-"الفوائد المجموعة، في الأحاديث الموضوعة" في مجلد.
                            10-"تحفة الذاكرين، شرح بعدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين " في مجلد.
                            11-"قطر الولي، على حديث الولي" في مجلد.
                            12-"أمناء الشريعة"وقد طبعت مع ثلاث عشرة رسالة أخرى بتحقيق د.إبراهيم هلال.
                            13-"أدب الطلب ومنتهى الأرب".
                            14-"المسك الفائح في حط الحوائج ".
                            15-"الأدلة المرضية لمتن الدرر البهية في المسائل الفقهية"حققها محمد صبحي حلاق( ).
                            16-"جواب سؤال عن نكتة التكرار في قوله تعالى: ( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ)( )
                            17-"إشكال السائل إلى تفسير(وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ)( ).
                            مؤلفاته المخطوطة:
                            فهي كما قلت –آنفاً-يصل عددها إلى أكثر من مائتي كتاب، وإنني أذكر مجرد بعض أسماء منها؛ لأن المجال - هنا -لا يتسع لذكر ها جميعاً:
                            1-القول الصادق في حكم إمامة الفاسق
                            2-التوضيح في توتر ما جاء في المنتظر والمسيح .
                            3- الصوارم الهندية المسلولة على الرياض الندية.
                            4-إتحاف المهرة على حديث "لا عدوى ولا طيرة"
                            5-إقناع الباحث بدفع ما ظنه دليلاً على جواز الوصية للوارث.
                            6- المختصر البديع في الخلق الوسيع.
                            7- الصوارم الحداد القاطعة لعلائق مقالات أرباب الإلحاد(تحليل ونقد للفكر الصوفي).
                            8- الرسالة المكملة في أول البسملة.
                            9-العذب النمير في جواب مسائل بلاد عسير.
                            10- الروض الوسيع في الدليل على عدم انحصار علم البديع.
                            11- الجوابات المنيعة على الأبحاث البديعة.
                            12-إفادة السائل في العشر المسائل.
                            13-القول الحسن في فضائل أهل اليمن.
                            14- إرشاد الأعيان إلى تصحيح ما في عقود الجمان.
                            اللمعة في الاعتداد بإدراك الركعة من الجمعة.
                            15- بحث في إخراج أجرة الحاج من رأس المال، ولم يجزه إلا إذا تبرع الورثة.
                            إلى غير ذلك...( )
                            وفاته:
                            توفي الإمام الشوكاني(رحمه الله)بعد حياة حافلة بالجد والاجتهاد، والعمل الدؤوب، ورفع كلمة الله خفاقة، والدعوة إلى كتاب الله وسنة رسوله  وقد مات ليلة الأربعاء لثلاث بقين من شهر جمادى الآخرة من سنة 1250هـ عن (77)سنة( )وكان وقتها حاكماً بـ"صنعاء"وقد صلى عليه في جامعها الكبير ،ودفن بمقبرة خزيمة( ) الشهيرة هناك.( ) ورثاه غير قليل من الشعراء بما فيهم تلاميذ ه وشيوخه الكرام.
                            خذ نفسك بالتقوى،وعامل غيرك بالفتوى

                            تعليق


                            • #15
                              المبحث الثاني

                              المبحث الثاني:
                              مظاهر شعره العامة

                              لابد ونحن نتحدث عن الإمام الشوكاني شاعراً أن نعرف بمظاهر شعره العامة التي توقفنا على جلية هذا الشعر وتصوره لنا هيكلاً متكاملاً نستطيع أن نتبين من خلاله السمات التي توفرت فيه إجمالاً، من حيث مصادر شعره وحجم الإنتاج الشعري، وما احتوى عليه من أقسام عامة خاض فيها شاعرنا الإمام بعاطفته الصادقة وأفكاره النبيلة، وما اتصف به هذا الإنتاج من حيث طول النفس الشعري في جزء منه وقصره في جزء آخر، إضافة إلى دراسة استهلالات الشاعر لقصائده، ومعرفة كيفية اختتامه لها، واختلاف ذلك بين بعضها والبعض الآخر على أشكال متعددة.

                              المطلب الأول: مصادر شعره
                              يتجلى لنا إنتاج الإمام الشوكاني الأدبي في شعره الذي خلفه بعد وفاته، والذي وصلنا مجموعاً في (الديوان المخطوط) ومتفرقاً في بعض كتب الأدب والتاريخ اليمني بما فيه ديوانه المطبوع"أسلاك الجوهر"
                              1-أما الديوان المخطوط- والذي لم يصلنا بعد- فقد حدثنا الإمام الشوكاني أن شعره وما كتب إليه من الأشعار مجموع في مجلد؛ فهو يقول في ترجمته لنفسه: ( وقد جمع ما كتبه من الأشعار لنفسه وما كتب به إليه في مجلد.. ..)) (يقول تلميذه الحسن بن أحمد البهكلي عن الشوكاني: (.. وله أشعار كثيرة مدونة، قد رتبها ابنه العلامة علي بن محمد الشوكاني) (على حروف المعجم، فجاءت في ديوان..)) (يقول الأستاذ أحمد بن حافظ الحكمي بخصوص الديوان هذا بأنه لم يُطبع بعد : إنني لم أطلع على هذا الديوان الذي جمعه ابنه علي الشوكاني، ولا معرفة لي بمكان وجوده، ) (
                              توصلت بعد البحث والدراسة بأن الديوان هذا، غير مطبوع.
                              2- الديوان المطبوع والذي وصل إلينا حالياً وهو بعنوان: (أسلاك الجوهر، في نظم مجد د القرن الثالث عشر، شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني) والذي جمعه ابنه العلامة أحمد بن محمد الشوكاني نظم الجامع في هذه الأسلاك ما يربو على 2600 بيت من الشعر تضمها قصائد مطولة وأراجيز يبلغ ما يضمه أطولها وهي أرجوزته 78 بيتاً، ومقطعات تقصر حتى البيتين، وإلى جانب هذا فهناك أبيات مفردة كثيرة، انتهى من جمعها وتحريرها ليلة الأحد، السابع من شهر ذي القعدة، عام 1252هـ كما يقول الأستاذ/حسين عبدا لله العمري قائلاً: "وكان نجاز تحريره عقب صلاة العشاء الآخرة من ليلة الأحد سابع شهر ذي القعدة الحرام عام اثنين وخمسين وألف ومائتين") (، أي بعد وفاة الشوكاني بنحو شهرين تقريباً.
                              وقد رتبت القصائد في هذا الديوان(أسلاك الجوهر)على الحروف الهجائية وقدم له الجامع بشيء عن والده صاحب الديوان، أوله من حرف الهمزة قوله من (الوافر):
                              دعي لومي على فَرْط الهواء
                              وكوني عن سلوى في سُلْوٍّ
                              أبانوا يومَ بانوا عن فؤادي
                              وداوي إن قَدَرْت على الدواء عُرَىْ صبري فباتُوا بالعَرَاءِ
                              ولا سمعت تراجِيعَ الحداء) (

                              وآخره من حرف الياء قوله من (الطويل):
                              بلى سوف ننجي شاكرين لربنا
                              وكم عوَّد اللهُ الجميل ففَرَّج الـ
                              على ما مضى منها وما كان آتيا
                              خُطُوْبَ وقد كانت تُشِيبُ النواصيا) (

                              تحقيق الديوان وطبعه:
                              قام الدكتور/حسين بن عبد الله العمري بتحقيق الديوان ووضع له الهامش،وكما ضبط بعض أشعاره وقد جمع شعره هذا من المخطوطات المختلفة،واعتمد على نسخة منسوبة والتي تقع في 52 ورقة قياس الصفحة منها 13،5 × 21،5 سم ومسطرتها تتراوح بين 23 وبين 35 سطراً خطها يمني واضح كبير الحروف، إلا أنها مليئة بالتصحيفات والأخطاء الإملائية،ولم يلتزم الناسخ فيها الإعجام الكامل،وغادر كثيرا من الكلمات مهملة،وكثيراً ما كان يبسط التاء المربوطة،ويضع ألفات بعد الواو في الفعل المعتل به مثل"يجلو" يجعلها"يجلوا" ويبدل الضاد ظاء معجمة، وكثيراً ما يرسم الألفات الصوتية ياءات مثل " هذا" يجعلها "هذي" كما يرسم الياءات ألفات مثل: "سوى" يجعلها " سوا"و " أعلى" تصبح عنده " أعلا" و"إلى"تصير" إلا" وذلك كثير شائع( )،هذا ويوجد مثل ذلك أخطاء أخرى فمثلاً وقع في ترتيب القصائد على الحروف خلل فقد أثبت القصيدة من(الكامل) :
                              يا ناظم الدُّرَرِ البَهيَّةِ أشرقتْ
                              منكَ القريحةُ واستَنارَ سَنَاها( )

                              من المعلوم أن روي القصيدة هاء، لكنها مع القصائد المنتظمة في قافية الهمزة، وهكذا، بالإضافة إلى أن قد أقحمت الأراجيز بين القصائد والمقطعات باعتماد قافية المطلع منها واتفاقها مع قوافي القصائد التي تنتظم في حرف من الحروف التي بنى عليها الديوان،وكان حقه أن يضم الأراجيز بعضها إلى بعض،ويجعلها في زمرة مفردة في آخر الديوان.لكن لم يفعل .
                              يقول محقق الديوان:" وقد تركنا كل ذلك في مواضعه وأشرنا إليه"( )
                              حاول المحقق د.عبد الله العمري جاهداً في تقويم الشعر وتبرئته من التصحيف والتحريف والخطأ فضبطه بالشكل الكامل،وشرح في الهامش ما جاء من الغريب،كما ترجم لكل من ورد اسمه من الأعلام وعرف بالأماكن،ولقد وسع في تراجم الأعلام محاولاً -قدر الإمكان-إجلاء الصور التي تكتنف أطرها معاصري الشوكاني من أدباء وشعراء وساسة وعلماء، مستنبطاً ذلك بالتوثيق من مصادر ومراجع بعضها لا يزال مخطوطاً،وألحق بالديوان فهارس مناسبة تيسر الكشف عما يريده القارئ منه.
                              هذا، وطبع الديوان مرتين في دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر بسورية دمشق الطبعة الأولى كانت عام 1402 هـ الموافق1982م والطبعة الثانية:1406هـ الموافق 1986م في الدار نفسها.
                              وليس هذا الديوان(أسلاك الجوهر) كل شعر الإمام الشوكاني كما يقول ابنه العلامة أحمد بن محمد الشوكاني –جامع الديوان- : (هذا ما أمكن جمعه وشيمه وهو فيما أظن لا يكون الشطر من نظمه، وهو- رحمه الله تعالى- لم يرفع لهذا الباب الراس، ولم يشتغل بإحكام ذلك الأساس...)( )


                              3-(البدر الطالع، بمحاسن من بعد القرن السابع)
                              الكتاب جزء من تلك الكتب التراثية الهامة التي اهتمت بتأريخ العلماء والأعيان وأكابر تلك الفترة الزمنية، يتألف الكتاب من جزأين يضم الأول تراجم لـ"354"عالماً من علماء العرب والإسلام، ويشتمل القسم الثاني تراجم لـ" 242" عالم أيضاً من علماء وأكابر الزمن. أورد الكتاب تراجم الأعلام المشهورين منذ القرن الثامن الهجري إلى عصره، وخاصة علماء اليمن قبله، وفي عهده من شيوخ وتلاميذ، وقد ضمنه الكثير من الشعر، وخاصة من نماذج شعره الإخواني والذي بعث به إلى أساتذته وزملائه وتلاميذه عند الترجمة لهم، وأورد فيه شيئاً من شعره العلمي كالأجوبة على تساؤلاتهم العلمية، أو الإجازات لبعض طلبة العلم على يديه، وغير ذلك..
                              ويليه الملحق التابع للسيد المحفظ النسابة المؤرخ محمد بن محمد بن يحيى زبارة اليمني الصنعاني، يذكر فيه ما بقي من التراجم من كبار العلماء وغيرهم من الأعيان، طبع الكتاب في القاهرة مصر عام 1348هـ الطبعة الأولى قام بنشره السيد معروف عبد الله باسندوه التاجر بالجمالية بمصر حسب المحرر في أولى صفحة من الكتاب، ثم حققه ووضع حواشيه الأستاذ/خليل المنصور، عام 1996م وطبع مرة ثانية وبعد التحقيق عام 1418هـ الموافق 1998م انتهى من التحقيق يوم 6 ديسمبر1996م( )، ونالت شرف طباعته دار الكتب العلمية بيروت لبنان.
                              وللإمام الشوكاني شعر في كتب أخرى غير كتبه هو فمثلاً أورد محمد بن محمد بن يحيى زبارة اليمني قصائد وأبيات متعددة في كتابه نيل الوطر من، تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر.
                              4- ( نيل الوطر من، تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر ) للعلامة المؤرخ محمد بن محمد زبارة والذي تناول فيه غير قليل من شعر الإمام عند ترجمته له، أولبعض شيوخه وتلاميذه وأصدقائه الذين بادلهم إنشاد الشعر ونظمه،أو راسلهم به،وكان نقله لها إما من ديوانه،أومما أورده الشوكاني من شعره في كتابه آنف الذكر (البدر الطالع )
                              5-(التقصار، في جيد زمان علامة الأقاليم والأمصار):
                              لتلميذه العلامة محمد بن حسن بن علي الشجني الذماري( )، وهو كتاب في ترجمة الإمام الشوكاني خاصة،وهو أهم شيء كتب عنه .قسمه مؤلفه إلى ثلاثة أقسام:
                              الأول:عن حياته منذ ولادته ونشأته،متحدثاً عن صفاته، مع ذكر مؤلفاته وسرد شيء من نظمه ونثره،والثاني : في تراجم شيوخه،والثالث: في تراجم تلاميذه- مع استطرادات غير قليلة- بأسلوب أدبي رائع، وقد ضم شيئاً غير يسير من شعره وشعر تلاميذه وشيوخه في مناسبات مختلفة.
                              والكتاب غير مطبوع ،وهو لا يزال مخطوطاً( ) يقول أحمد بن الحافظ الحكمي : (يوجد من التقصار نسخة خطية يحتفظ بها القاضي المؤرخ محمد بن علي الأكوع بمكتبته الخاصة بتعز في اليمن ،وهي مكتوبة بقلم معتاد وبخط جيد،كتبها أحمد بن محسن بن قاسم سنة 1242هـ في 133 ورقة ،مسطرتها 28 سطراً،مقاسها 23 × 31 سم ،أخذ عنها معهد المخطوطات العربية صورة على(ميكروفيلم) في غرة شهر رمضان سنة 1394هـ ،وهي فيه برقم 425 تاريخ اليمن- فهرسة أولية-( ) هذا ما أ مكن سرده من مصادره الشعرية، ونرى بعد ذلك إنتاجه الشعري .

                              المطلب الثاني: حجم إنتاجه الشعري
                              لم يكن اهتمام الإمام الشوكاني بقول الشعر كثيراً لأن اهتمامه الجل كان على الدروس الدينية والعربية التي كان يلقيها، أوبالإجازات العلمية التي كان يكتبها لطلابه، وإن كانت الموهبة الأدبية متأصلة في نفسه، وبه ميل عظيم إلى تنميتها؛ وكان-رحمه الله- يقول الشعر للأسباب الكثيرة التي تدعو إلى قوله، وإن كان أغلب شعره في الجانب العلمي من ثقافته المتنوعة الضاربة في كل ميدان من ميادين العلوم والثقافة من ناحية، واتشح ببرد(المطارحات الإخوانية) ذات الأسلوب الخاص والفكرة المحدودة من ناحية أخرى.
                              فهو لا يقول الشعر إلا إذا دعت إلى قوله الحاجة، كالإجابة على سؤال علمي، والرد على رسالة شعرية من أحد أصدقائه ونحو ذلك، كما يقول عن نفسه: ( وربما قال الشعر إذا دعت لذلك حاجة،كجواب ما يكتبه إليه بعض الشعراء من سؤال أو مطارحة أدبية،أو نحو ذلك....)( )فإذا ما أردنا هنا أن نحدد حجم إنتاجه الشعري قد يصعب تحديد ذلك إذ نحن لا نجزم بصحة وقوع شعر الإمام الشوكاني كله بين أيدينا، خاصة إذا لم نجد غير ما جمع من شعره في الديوان (أسلاك الجوهر ) وخير دليل على هذا قول ابنه أحمد الشوكاني: ( هذا ما أمكن جمعه... وهو فيما أظن لا يكن الشطر من نظمه ...)( )بالإضافة إلى أن الإمام قد كان رجلاً اجتماعيا يشارك الناس في الأحزان والأفراح وغيرها من الحوادث؛ فمن المتوقع جداً أن يكون قد شارك فيها بأدبه – شعراً ونثراً-. ولعل الديوان الذي جمعه ابنه علي الشوكاني( )ورتبه في حياة أبيه أوفى من هذا المجموع ؛فإذا ما عثرنا عليه أوعلى غيره من النسخ التي جمعت شعره؛فإننا عندئذ نستطيع أن نقرر شيئاً حول حجم هذا الإنتاج من حيث الكم على وجه الدقة.
                              إن الإمام الشوكاني وإن كانت له أشعار، إلا أنه غير مكثر إلى درجة كبيرة كشيخ من شيوخه الكرام الأمير الصنعاني محمد بن إسماعيل - مثلاً- وغيره من أصحاب الإنتاج الشعري الوفير في عصره ووطنه .... هذا،وبعد نظرة في ديوانه (أسلاك الجوهر ) الذي يقع في (382) صفحة يدرك القارئ قيمته الأدبية والتاريخية،و – طبعاً- ليست العبرة بكثرة الإنتاج بل بقدر ما فيه من معان، وما أفعم به من تعبيرات جميلة تصور لنا صدق المعاناة التي مر بها الشاعر فصبغته بصبغتها،واستطاع أن يترجم عنها بدقة،وأن يوصلها إلى مستوى النضج الفني المطلوب في الأدب ،ولعل هذا قد توفر للإمام الشوكاني في شعره والذي سوف نلاحظه عند دراسة شعره في الخصائص الفنية في الفصل الثالث .
                              المطلب الثالث: نفسه الشعري من حيث الطول والقصر:
                              إن نفس الإمام الشعري يختلف في قصائده ومقطعاته الشعرية من حيث الطول والقصر، وإن كان الطول في قصائده محدود المدى،؛ والحق أن لكل مقال مقاماً ؛فشاعرنا الإمام يطيل إذا ما استدعى المقام الإطالة،ويوجز إذا احتاج المقام إلى ذلك ،وفي كل مجال يستخدم طريقة تناسبه ، وهو مجيد فيها.... فمثلاً قصيدته اللامية التي قرضها في رثاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فهي تعد من أطول قصائده نفساً،والتي بلغت نحو أكثر من مائة بيت،وهي غير موجودة في الديوان، مطلعها من(الطويل) :
                              مصاب دها قلبي فأذكى غلائلي
                              وخطب به أعشارأحشاي صدعت
                              وأصمى بسهم الافتجاع مقاتلي
                              فأمست بفرط الوجد أي ثواكل .

                              يقول الدكتور/عبد الله بن محمد أبوداهش عن القصيدة: (ولعل من أهم ما يلفت نظر الدارس لهذه القصيدة، أنها تتسم بطول النفس،إذ تقع في واحد ومائة بيت،وأنها محافظة على نهج القصيدة التقليدية المعهود من حيث البناء،وأسلوب التعبير...)

                              وهناك في الديوان (أسلاك الجوهر) قصائد تدل على طول نفس الإمام؛ فمثلاً القصيدة التي أجاب بها على القاضي عبد الرحمن بن يحيى الآنسي ومطلعها من (الوافر):
                              دعي لومي على فرط الهواء
                              وداوي إن قـــدرت على الدواء


                              وكو ني عن سلوى في سلوى
                              إذا أنوى الحبيب على النواء



                              والقصيدة التي بعث بها إلى الإمام سعود بن عبد العزيز (إمام نجد) وعلماء نجد في أيام انتشار ملكهم في جزيرة العرب؛فكانت ترد عليه منهم أسئلة،فقال في بعض جوابا ته هذه القصيدة على طريقة النصح ،مطلعها من (الوافر):
                              إلى الدرعية الغـراء تـسري
                              فتـخبرهـا بما فعـل الجنـو د


                              وتصـرخ في ربـا نجد جهارا
                              فيسمعهـا إذا صـرخت سعود


                              والقصيدة في (59) بيتاً.
                              ومن القصائد التي تدل على طول نفس الشاعر قصيدته التي صور فيها الأوضاع المتردية في اليمن عندما تشعثت الأمور ووقع التفا شل والتخاذل في أواخر دولة الإمام المنصور علي بن العباس ، يقول في مطلعها من (الطويل):
                              نداء لكـل الناس فالأمر أعظـم
                              وأن أمير المؤ منيـن المقـدم


                              فأمر جميع النـاس في كل موطن
                              إليه ومنـه العقد والحل ألزم



                              ثم يقول من (الطويل):
                              رعاياكم ماتوا من الجوع جهرة
                              ومات رجال فضلهم ليس يكتم


                              وماذاك من جدب ولكن تقطعت
                              لهم سبل يجري بها الدمـع والدم


                              فيا ربنا اشهد لي عليهم فـإنني
                              نصحت وغيري صارللنصح يكتم



                              تقع القصيدة في ( 58) بيتاً
                              هذا،وأما ما عدا ذلك؛فهو يقل من حيث طول النفس في النظم ،بحيث لاتتجاوز أغلب قصائده أربعين بيتاً،ومادون ذلك كثير في إنتاجه، ولاداعي –هنا- أن أذكر كل القصائد المطولة له أكتفاءً بما ذكرت أعلاه.
                              وعندما ننظر في شعر الإمام إلى المقطعات القصيرة فيلاحظ عندئذ أنها تشكل حجماً كبيراً بالنسبة إلى قصائده الطويلة،فكثير من مقطعات شعره وخاصة ما جاء منها في الحكم أو النصح أو الأدعية والابتهالات أو الألغاز يأتي في أبيات قليلة لا تتجاوز أبياتاً معدودة،بل قد تصل في أحيان يسيرة إلى بيت،وفي أحيان أخرى كثيرة إلى بيتين ،وفي أقل إلى ثلاثة ،والأمثلة على ذلك تتضح لكل ناظر في ديوانه، فمثلاً قوله في بيت واحد من (السريع):
                              من أكثر المـزح دعـا كـل من
                              يعرفـه يومـاً إلى نقصـه


                              وكقوله مفرداً أيضاً من (السريع):
                              لسـت أهـلاً لهـذه النعـم
                              هي فضل من بـارئ النسم



                              وكقوله من (الكامل):
                              صبـر الفتـى على مصيبته إذا
                              نـزلت أشد مصيبة للشامت



                              كقوله عندما مرض الإمام المهدي عبد الله في بيت واحد من (البسيط):
                              متى يكون بروز الراس إلى الناس
                              كأنه الشمس تبدو بعد إغلاس



                              وكقوله في بيتين من (الطويل):
                              وأسعفني دهري بكـل مطـالـبي
                              وصيرني في الناس حيث أريدُ


                              وأن امرءاً نـال المُنى غيرَ ذائِـقٍ
                              لِمُرِّ هَـوانٍ دُونهـا لَسعيـدُ



                              وقوله من (السريع):
                              يا مـن رأى جِلْساً أتى جَلْــساً
                              يأكـل جَلْساً شـرب الجَلْسا


                              يركب جَلْساً وهـو في سـيره
                              من بعـد هذا قاصدّا جَلْسا



                              وقالَ في آخر عمره( من ثلاثة أبيات) من (الوافر):
                              أراني قد ضعفْتُ فليتَ شِعْري
                              متَىْ سَيْرِي إلى دَارِ الْقَـرَارِ

                              فَهَبْ لي يا إلهي طُوْلَ عُمْرٍ
                              صحيحَ الْجِسْمِ في نِعَمٍ كِبارِ

                              وعِلْمي فامْلاءِ الأقْطـارَ منْهُ
                              إِلَهي واْجْعَلِ الفِرْدَوْسَ داري
                              دَاري

                              وله جملة أبيات قالها تفاؤلاً(مجزوء الخفيف):
                              ذهب الظُلْـمُ والهـرجُ
                              ودَنـاالنَّصـرُوَالفَـرَ جْ

                              خَفَقـَتْ رايـةُ الهُدى
                              طُـوِيَتْ رايـَةُ الْعِـوَجْ

                              أقْبَـلَ الْعَـدْلُ مُسْرِعَـاً
                              أدْ بَرَ الجَـوْرُ وَالْحَـرَ جْ

                              دخَـل العِـزُّ أرْ ضَنـا
                              وَ أرى الْـذُّلَّ قَدْ خَرَجْ

                              أبْشِري يَـا رُبَـا أزا
                              لَ بِمَـا يُثْلِـجُ المُـهَـجْ


                              ومثل ذلك بقية شعره؛ فنفسه الشعري قد يطول وقد يكون عكس ذلك ...؛ فإمامنا الشاعر يطيل إذا ما استدعى المقام الإطالة،ويوجز إذا احتاج المقام إلى ذلك ،وفي كل مجال يستخد م طريقة تناسبه ، وهو مجيد في كلتا الحالتين .
                              خذ نفسك بالتقوى،وعامل غيرك بالفتوى

                              تعليق

                              يعمل...
                              X