طاقات مهدرة !! طاقات مهدرة !!
أكثرنا النعي على أرواحنا ، وأمضينا نكفن أبداننا بخرق بالية ، ونحن نطمر رؤوسنا في التراب ، ونصف أنفسنا بالهامشيين والعالة على الآخرين ، أفضنا في هذا الحديث ونسينا أننا نخوض في بحر غزير ، وغمرنا في الإقحام حتى تقطعت أنفاسنا وهي تغرق في قلب الماء دون أن نركب القوارب أو أن نلف أطواق النجاة حول أبداننا ، فتهنا في رمضاء حارقة ، وكان تيه لسنين طوال لا زلنا نرزح تحت وطئت ثقلها المرهق ، وهو تيه أعظم من تيه اليهود في الصحراء ، فنحن قطعنا نصف قرن من الزمن على هذا التيه ، ولا زال يطبق علينا من كل جهة ويحاصرنا من كل صوب ، ذاكرتي تعود إلى الوراء منذ الالتحاق بصفوف الدراسة الأولية ، وكابوس الغرب يطاردنا ، فهو سيد العالم وحاكم الدنيا بأسرها ، يغرقنا بمنتجاته ويسيرنا بسياساته ، الغرب والغرب حتى تصورناه رجلاً واحداً تمنينا لو نلقاه فندحره عن عالمنا .
وكلما تقدمت بنا السنون يطالعنا كابوس الغرب من أفواه كل معلم يقبل إلينا ، وحتى اشتد عودنا وجرت الدماء في أفكارنا وتحررت من ربقة التقليد والانقياد الصارخ ، فكان واقع نعاني آلامه ونتحمل معضلاته منذ عقود الزمن الرابية ، إلا أن ذاكرتي لم تحفل بذكرى أحد المعلمين الأفاضل ممن أضاع وقت حصته في الحديث عن الغرب والتنبيه من شروره أن شجا لنا بوسائل كيف يمكننا أن نكسر هذه السيادة ونمتطي نحن صدارتها ، ومن أسهب في الحديث عن ذلك كانت وسائله جوفاء لم تحقق سوى الشحيح المستغنى عنه ، وأزعم أن كلامي هذا ينضم إلى مهاترات لم تقدم ولن تفعل ، وأرجوا أن تمنحوني جزءاً من وقتكم ، وأنا أعبر برأيي في هذا الموضوع الصرف ، والذي أزعم أنه يضعنا في تنافس مع الآخر ، إلا أنه تنافس وهمي لا يجسده واقع ولا يمثله حقيقة تدفع إلى مزيد من التنافس ، وغرقنا في بحر الإطراء على الماضي وأمجاد الماضي ، نعم كنا سادة العالم وأسياد الحاضرة ، حسناً وبعد ( كنا ) ها نحن نموج في تيارات تصارع الحضارات دون أن يكون لنا شأواً يحفل بالأمر العام ، وضعضعنا في أماكننا وبرحنا فيها وظل الآخرون يتقدموننا وبكل سرعة .
ويلزم مطاردتنا لركبهم سرعة سنين ضوئية حتى نلحق بالركب المتهيب ، كلامي ليس بذرة يأس وإحباط أزرعها في القلوب ولكنها بذرة تفاؤل أبثها إلى الآخرين ، نحن تحسسنا الطريق وعرفنا معالمه وأبرز عقباته ، ولكننا رزحنا عند هذه النقطة ولم نصنع وسائل مجاوزة تلك العقبات ، وملكنا أدوات التقدم ولكننا أهملناها وأسلمناها للغبار يرمي بثقله عليها ، فدين يحث على النهوض واللحوق بركب الحضارة ، ودليله أنه قاد لفترة تربو على عشرة قرون هذه الحضارة وقرنها بالأمجاد ، وعقول عبقرية واعية ومدركة لدروب النهوض .
فقد عاشت ودرست ومارست عمل الحضارة في بلاد الغرب ، إلا أننا أجفينا كل ذلك ، وأدركنا الحضارة في عالم الرقص والفن الساقط والمجون ، بل وبرعنا فيه وغلبناهم وبتنا ننافسهم في مسابقاتهم ومحافلهم ، وهم يصفقون ويمجدون هذه الخطوات الباهرة !! ، وصاروا محط الاهتمام في وسائل الإعلام ، وكانت لهم الصدارة وأهمل صنف العلماء والباحثون وركنوا مع أعمالهم على الرفوف ، وغُطوا بغبار الزمن حتى نفضها عنهم أهل الغرب ، فعظّموا تجاربهم وأثنوا على مخترعاتهم فتبنوا عقولهم وصادروه منا بعد أن أهملناه ، وكانت منافع تلك المبتكرات تسجل باسمهم ، ونسجل أمجاداً بالية الأمل ، وأكثر المتشدقون في رجاء الملاحقة بالغرب ، في حين لم يتسلحوا هم بمبادئ النهوض ، وتجانبوا أن يسلكوا دروبها وأن يرتقوا إليها ، نحن نملك الكثير مما جعل الأطماع تتهافت حولنا وتطوقنا من كل ناحية ، وأحياناً تطلب ودّنا وتهدد نطاقنا .
إن الغور في الحديث عن الغرب وكيف جثم علينا ، كمن يتحدث عن طعم الماء وريحه ، كلام مللنا سماعه وأصابنا الصمم من جراء مبالغة الحديث فيه ، ولو بحثنا في وسائل النهوض فهو بصيص الأمل الذي نتشبث به والخيط الدقيق الذي يدلنا إليه ، نحن نملك طاقات تؤهلنا لذلك ، ولدينا من الأعلام من يثقل بهم المقال في حين سطر أسمائهم ، لدينا المؤهلات وعلينا العمل ، وبدل من مهاترات عن استحواذ الغرب وقدراته ، وسطوته علينا والغرق في الحديث عن أمجادنا السالفة لأخمص القدمين ، العمل ثم العمل ثم العمل .
هو خير ما نأمل ونجدُّ إليه ونشحذ لأجله الهمم ، لنملك سواعد يانعة تسير على ركب الجد والاجتهاد ، لنملك التأهيل لتأسيس البناء ، بيدنا الكثير والكثير ، وأسفاً لعملنا القليل .
أحمد بن خالد العبدالقادر
__________________ إنَّ أرقى المجتمعات البشرية هي التي يَشِعُّ فيها الأدب، ويعلو مناره، وينتظم به القول مع العمل، ويتآخى فيه الخيال مع الواقع، وتسير به الحقائق إلى جانب الرقائق؛ فإنَّ الطَّبْعَ البشري يأبى التمحض في منحًى واحد، ولا بُدَّ لرُقِي المجتمع من تأليف الأضداد، وتعديل الأقسام؛ حتَّى يحصل الاعتدال ..
أميـر البيان .. شكيـب أرسـلان
طـريـق النجـاح .. مسـار يبـدأ بجـرأة خطـواتـك ..
للمراسلـة / ahmed-khaled999@hotmail.com |