هديــل .. ما بُتر الشباب ؛ ولا ضاع الطموح
شيء من التحليل والتأمل , يوصلنا إلى كشف لعدد من الأخطاء في التفاعل التلقائي والاعتبار بالحدث ؛ التي ربما هي ضمن الطرق الاعتيادية التي كثيرا ما نتفاعل بها مع ظروف مماثلة , دون أن نلتفت إلى القيام بدور رقابي حسابي لذواتنا أثناءها .
كنت أنظر إلى مسألة سن الفتاة المبكر عن عموم الوفيات , وعلاقته بالمشروع الثقافي الكتابي , الذي كانت تنتمي إليه الراحلة ( هديل الحضيف ) رحمها الله , والذي كان السبب في تعرفنا عليها والزيادة في حدة الالتفات على قصة صراعها الفاجع مع المرض , ثم الوفاة . هي أيضا قد كتب الله لها التوقف عن هذا المشروع وهي لا تزال تستمتع ببداية وشباب الارتقاء , التي تتفاعل فيها فورة الطموح والتطلع لنهاية النجاح ؛ ولكن أهم ما في الأمر أنه كان نابع عن من تنتمي إلى وسط ملتزم ومتدين .
ربما علينا أن نعترف أننا قد نستصحب مع الاستغراب من الوفاة في سن الشباب ـ الذي نصنفه وفاة مبكرة ـ لا نزال بتلقائية ساذجة نشفق على من يموت في سن صغيرة ! ونتصور بأنه لم يصل لتحقيق طموحاته في ما نسميه " المستقبل " ! ؛ وقد فاته عمره الجميل . مع أن الحياة الدنيا لا يطمئن فيها المسلم إلا إذا عمرها بالصلاح والتقوى , ومن فعل فإن حياته بعد الموت أهنا وأسلم ؛ و نية الإنسان وأمنيته أن يشارك في بناء لأمته وارتقاء بذاته , هي تساوي العيش والعمل عليها عند الله ولو لم يعش صاحبها ولم يعمل .
ثم إن مسألة اكتمال العمل في حال كان مكتملا في النية , والاعتراف به كقيمة ووجود , هي ليست مجرد حقيقة إيمانية , بل هذه الحقيقة التي نؤمن بها تتشابه مع وقائع عملية نؤيدها ونقتنع بها ؛ فإن من يعمل النظر سيجد أنه في الحياة هناك منجزات وخطط مكتملة لأعمال لم تدخل حيز الفعل والإنجاز بعد , لكنها تعطى قيمة بمجرد عمل الخطة لها كنية لإيجادها , ويقدر أصحابها , ويعترف بها كمنجز فعلي ؛ ومثل ذلك من كان لديه نية لعمل خيّر فإنه ـ ولا بد ـ سيكون رهن ظروف ووقتيات يخطط لها وينتظرها حتى يثبت عمله كمنجز واقع يراه الناس , وفي هذا لا نعجب أن نجد التشريع الرباني يقرر اعتبار من نوى خيرا , فإنه مأجور كما لو أنه أنجز النية , و القرآن الكريم حتى حين يقول " وقل اعملوا وسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " , فإنه يقرن قبول العمل وأساسه الصحيح بالنية ونوعها .
إن من يأصل لأعماله الذاتية بنية خالصة لله , يصبح عمله مقدس بقدسية مرجعيته ؛ ويعلو على الناس وما اجتهدوا فيه طولا وعرضا ؛ ويرتفع بإخلاصه على كل من على شأنه وكبر سنه , ورسخ في علمه ؛ وتكون لهذه الذات أعلى رفعة بتواضعها لله . ولكن المشكلة أننا ننظر للعمل غير ملتفتين إلى أن النية هي الأساس والحكم في قبوله من الله , وصحة توجهه ؛ وتشدنا المنجزات بشكلها النهائي والمكتمل , ولا نلتفت للإنسان الواعد الصاعد الذي يسير في طريق الكمال , وننتبه لإتقانه لخطوته وتميزه في مرحلته ؛ بل كثيرا ما نعتبر الشباب مرحلة للبناء السائر نحو الاكتمال , وليس للعمل البناء المكتمل !
أولئك الذين يربطون أعمالهم ومنجزاتهم بالدين , هم من الأساس لا تقتصر أنظارهم إلى درجة العمل البحت , ومدى تحقيقهم النجاح والارتقاء والمسيرة والسيرة الطويلة فيه ؛ ولا ببلوغه بعد بذل العمر فيه , صدى بين الناس يشهرهم ويعلي من قيمتهم الذاتية ؛ تجدون منهم من يهدف أصلا إلى الدعوة إلى الله ويجعل المشاركة الثقافية وسيلة لها , ومن يجتهد بها لينال الثناء الرباني بالعلم والتفكر وإعمال العقل , ومن ينجذب لها انشدادا لذات العلم كفضيلة ؛ فهي وسائل تحقق بمجرد ممارستها هدفا أرقى من هدف الرقي في سلمها !
وآخرون يرتبطون بطرق أخرى , نتذكر بهم قول الله تعالى عن اليهود : " ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة , وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر " غير مدركين أن العذاب الخالد آت ولاحق بهم مهما تفسحوا في الدنيا ؛ أما نحن ففينا من يتمنى التعمير ليس خشية من العذاب , بقدر الاتكال على أن طول الوقت هو ما سيحقق الأهداف البعيدة التي ترفعه عند الله , والتي لو نظر إليه لوجد عامل الجهد والهمة هو ما يصنعه بشكل رئيس , ولو أنه حققها بعد العمر , فقد يأثم على الوقت الذي أضاعه في التماطل والتباطؤ .