الكلمة الثانية: [وحده]
هذه الكلمة تبين مرتبة توحيد صريحة. نشير الى برهان في غاية القوة يثبت اثباتاً تاماً هذه المرتبة، وهو:
اننا كلما فتحنا اعيننا وصوبنا نظرنا في وجه الكائنات، لفت نظرنا - اول ما يلفت - نظام عام كامل، وميزان دقيق شامل.. فكل شئ في نظام دقيق، وكل شئ يوزن بميزان حساس وكل شئ محسوب حسابه بدقة..
واذا ما دققنا النظر، يلفت نظرنا تنظيم ووزان متجددان، اي: ان واحداً أحداً يغير ذلك النظام بانتظام ويجدّد ذلك الميزان بمقدار.. فيصبح كل شئ نموذجاً ((موديلاً)) تُخلَع عليه صورٌ موزونة منتظمة كثيرة جداً..
واذا ما انعمنا النظر اكثر، نرى ان عدالة وحكمة تشاهدان من تحت ذلك التنظيم والوزان حتى ان كل حركة ونأمة تعقبها حكمة ومصلحة ويردفها حق وفائدة.
واذا ما دققنا النظر بإنعام اكثر؛ تلفت نظر شعورنا، مظاهر قدرة ضمن فعالية حكيمة في غاية الحكمة وجلوات علمٍ محيط بكل شئ. بل محيط بكل شأن من شؤونه.. بمعنى ان هذا النظام والميزان الموجودين في الموجودات كافة، يبينان تنظيماً ووزاناً عامين شاملين لكل الموجودات. وان ذلك التنظيم والوزان يظهران حكمة وعدالة شاملتين، وان تلك الحكمة والعدالة تبينان لأنظارنا قدرة وعلماً. اي ان قديراً على كل شئ وعليماً بكل شئ يُرى للعقل من وراء تلك الحجب.
ثم ننظر الى بداية كل شئ ونهايته، ولاسيما في ذوي الحياة، فنرى ان بداياتها واصولها وجذورها، وكذا ثمراتها ونتائجها على نمط وطراز بحيث كأن تلك النوى والاصول برامج وفهارس وتعاريف تتضمن جميع اجهزة ذلك الموجود، وكذا يتجمع في نتيجة ذلك الموجود وفي ثمرته، ويترشح فيها معنى ذلك الكائن الحي كله، فيودع فيها تاريخ حياته. فكأن نواة ذلك الكائن الحي التي هي اصله، سجل صغير لدساتير إيجاده، اما ثمراته فهي في حكم فهرس لأوامر ايجاده.
ثم ننظر الى ظاهر ذلك الكائن الحي وباطنه، فنشاهد؛ تدبيراً وتصريفاً للامور لقدرة في منتهى الحكمة، وتصويراً وتنظيماً لإرادة في منتهى النفوذ. أي ان قوة وقدرة توجِدان ذلك الشئ وان أمراً وارادة تلبسانه الصورة.
...........
..