14|2|2008
7|2|1429
[[ الكماليُّون ]]
الكمالُ صِفةٌ يسعى لتحصيلها عقلاءُ الناس ، و يبحثُ في مصادرها مَن ارتقت نفوسهم نحو السموِّ و العُلُوِّ ، فطُرِقَتْ طُرُقٌ كِثار ، و وُلِجَتْ أبوابٌ كبار ، و كلٌّ رامَ ما ظنَّه مُوْصِلٌ لذاك ، فتعدَّدَتْ الطُرُقُ ، و اتَّحدَتْ الغايات ، و تبايَنَتْ النتائج ، إلا أنَّ معالمَ الكمالِ عند الساعين إليه واحدة ، و إنما اختلفتْ جُزئياتٌ صُوْرِيَّة .
تلك المعالمُ في الكمال تُمَيِّزُهم عن أولئك الدُخلاءِ بينهم ، فليسَ كلُّ مُدَّعٍ الكمالَ صادقٌ في دعواه ، فالعلائمُ و الشاراتُ تُبَيِّنُ صادقَ السَعي و الطلبِ .
معالمُ الكماليِّيْن :
أولاً : الغايةُ مُحدَّدَةٌ ، فيعرفُ ماذا يُريد أن يكون في حياته ، و يُدركُ مدى الوظيفة المُناطة بوجوده في الحياة ، فعرفَ غايتَه ، و حدَّدَ مُراده ، فكان سَيْرُه على نَسَقٍ ثابتٍ ، و بُخطىً واثقة .
تلك الغايةُ هي الرسالةُ التي يَحملُها ، و هي التي تنبني عليها قوةُ معتقداته و قِيَمه ، و بقوةِ المعتقدات و القِيَمِ يكون سَعيُه في تحقيق رسالته ، فكلٌّ من القِيَمِ و المعتقداتِ و الرسالةِ يُغذِّي أحدهما الآخر .
فالكاملُ يَسعى نحو غايةٍ يرْنو إليها ، و يحملُ رسالةَ غايته على كاهله أينما حلَّ أدَّاها ، و الشخصُ المُدَّعي للكمالِ فهو بلا هَويةٍ ذاتيةٍ تحدوه إلى شيءٍ ، و إنما سِعايتُه في قُذاذاتٍ صِغار ، يسُدُّ رَمَقَه شهوةِ النبوغِ بلا شيءٍ ، فيعتبرُ ما ليس بشيءٍ شيئاً لغياب الغاية في نفسه ، و فُقدان الرسالة الباعثة ، و تجدُ هذا الصنفَ يَخبطُ في كلَّ وادٍ يهيم فيه بأي شيءٍ يجده ، و يتلقَّف ما يجعله في برِّ أمانٍ من مذمةٍ .
ثانياً : التفاعُلُ و التأثيرُ ، أثرٌ حرَكيٌّ للغاية الموجودة المرسومة ، و الرسالة القائمة المعلومة ، فلا يقرُّ له قرارٌ إلا بأن يأتي بما يُوصلُه لغايته بتأديةِ رسالته ، فيقتنصُ فُرَصَ التحقيقِ ، و لا يقفُ على أطلالٍ يبكي فيها بنحيبِ العاجز ، فحالُه دوماً في إثراءٍ بوجوده لوجوده .
بعكسِ اللابسِ ثوب التكمُّلِ زُوراً فهو في حال انفعالٍ و تأثُّرٍ ، دائماً ما يكون تحت السيطرة ، و في مقام الفريسة ، يُجمِّلُ حالَه للتأثُّرِ ، فوجوده عدمٌ و عدمُه وجودٌ ، لم يُفِد أحداً بوجوده في حياته فكان عِبْئاً و ثِقْلاً ، فكان عدمُه أصلاً هو وجوده لأنه سيجعلُ لغيرِه أثراً ، و الأمنياتُ خيرٌ من المَنِيَّات .
ثالثاً : بعيد النظر ، فلا يقفُ نظرُ الكماليِّ عند حدٍّ قريبٍ منه ، لأن الكمالَ ذاتَه ليس له حدٌّ ينتهي إليه ، لأنّه معنويٌّ ، و المعاني لا تقف عند زمنٍ ، فيُريه بُعدَ نظرِهِ تفاعُلُه في تحقيق غايةِ رسالته ، فيتجاوَزُ ظِلَّ الذاتِ إلى شمسِ الصفاتِ ، و حَجَرِ المشهد إلى بَحْرِ المقصد ، فيكون ذا رأيٍ صائبٍ ، و ذا وَضعِ عالٍ .
و الدَّخيلُ بالوصفِ بلا بَرهنةٍ لا يبلغُ في دِقَّةِ نظرهِ سِوى رِمشَ الرأي ، فيَراهُ غيرَ واضحٍ فيَحْسبُه سراباً بَعيداً ، و المبنيُّ على سرابٍ في تبابٍ .
رابعاً : دَحْرُ البُنيَّات ، لا ينظرُ الكماليُّ إلى تلك الصغيرات المعترِضات طريقَه في تحقيق غايته ، و لا تُعيقُه عَن مواصلَةِ بذلِ تفاعُلِهِ سفاسفُ الأشياء ، فشموخُ همتِه ، و عُلُوُّ غايته ، و سًموُّ رسالته ، و قوةُ تأثيره بتفاعُلِه ، و بُعدُ نظرِهِ تجعلُه في مَنَعةٍ من أن تطاله تلك المُحقَّرات ، فلا يأبَه بنظرةٍ إليها تحقيراً فضلاً عن اهتمامٍ أو بالٍ .
فيرى أنَّ القدحَ في ذاتِه مدحاً ، و أنَّ الانتقادَ صَهرٌ ليبينَ جوهرُه ، و أن العوائقَ بوارقُ سُموِّهِ ، ما بقيَ مُعرضاً عنها ، سائراً في صُدودٍ ، و عندما تبدو منه التفاتةُ الضبيِ يقعُ في شِراك البُنيَّات ، فالمُحقَّراتُ مُهلكات ، و رُبَّ جُرْحِ أصابَ في مقتَلٍ .
و ذاك الدَّعيُّ يسيرُ على جُرُفٍ هارٍ فينهارُ به في وادٍ سحيقٍ ، فلا يحتملُ وَجعاً في طريقٍ ، و لا يُطيقُ مشقَّةً للسماءِ ، فتقرصُه نملةُ الضعفِ لتميتَ حياةَ القوة ، و سينُ تسويفِه تُبطلُ أثرَ سِنَّةَ سيفِه ، فيأخذُ ما يُريد على حرْفِ الهمةِ ، و حرفُ الهمةِ بِحتْفِ الهَمِّ ، و لا قياسَ في الأساس .
خامساً : مُضِيِّ الماضي ، نظرَ إلى ماضِيْهِ ليأخذَ ما يُمضِيْهِ في كمالِه ، لأنَّ ما فاتَه لا يُفيدُه شيئاً ، سوى أن يكون لَبِنَةَ بناءٍ ، و مركزَ انطلاقٍ ، فليس إلا ذلك في ماضيه و فائته ، فيُضارِعُ بمُضِيِّهِ ماضِيْهِ مُضارَعَه و حاضرِه .
و المنتسِبُ لغيرِ ما ليس له يقفُ على تخومِ البالياتِ مُقيَّداً بسلاسلِ الوهم ، مجروراً بحروفِ الهاوية ، مَنصوباً بأناتِ الخُسران ، فجزمَ مُضِيَّ ماضِيْهِ بتسكينِ مُضارعِ الهمةِ ، فانخفضَ في جوفِ الطَّمسِ ، ليكون منصوباً بحذفِ قيمةِ وجوده ، و كثيرٌ هُم ، و كلٌّ هَمٌّ .
عبد الله العُتَيِّق