من واقع التجربة
http://www.islamtoday.net/articles/s...12&artid=11569 مبتعث سعودي: صعوبات الابتعاث صنعت مثقفين، والتصورات المسبقة أكبر المشكلات
أمريكا/ علي الحمدان 26/1/1429
03/02/2008
أكد أحد الطلاب السعوديين المبتعثين في الولايات المتحدة أن الصعوبات التي تمر بالمبتعث خارج وطنه، تساهم كثيراً في صقل شخصية الطالب، وتجعله أقدر من غيره على خوض الصعاب والتغلب عليها، واستدل على ذلك بأن مشكلات التكيف مع اللغات الجديدة دفعت العديد من المبتعثين إلى القراءة التي انحصرت في بدايتها في اللغة الجديدة كي يستوعبوها بشكل أكبر لضرورات الدراسة، ثم تحولت بعد ذلك إلى نهم متواصل للقراءة في مختلف المعارف، ومن ثم ارتفع مستواهم الثقافي.
واعتبر الطالب السعودي صقر البلوي الملتحق بإحدى الجامعات الأمريكية أن جانب التصورات الذهنية المسبقة تشكل إحدى أهم العقبات التي تقف أمام المبتعثين هناك، ودعا إلى تكثيف البرامج الإرشادية التي تسبق الابتعاث حتى يتم التخلص من هذه التصورات، وفي هذا السياق قال البلوي: إن أكثر التصورات المسبقة تنحصر في كفاءة الطالب العربي، واستهتار الجامعات الأمريكية بالدراسة... وهنا حوار معه ...
كيف تنظر لتجربة الابتعاث والدراسة في الخارج حتى هذه اللحظة وأنت لك فترة في أمريكا؟
إذا كان مطلوباً من الطالب النجاح في تحقيق كثير من الأمور المرتبطة بالدراسة، و بالتكيف الإيجابي مع المجتمع الجديد، و الذي لا يضيّع فيه الطالب هويته الدينية و الوطنية، فإن التجربة تكون بلا شك صعبة، و مليئة بالتحديات الكثيرة. فهي أهم مرحلة من مراحل الدراسة، فإن تجاوزها الإنسان بنجاح فإنه يصنع القاعدة المتينة التي يبني عليها ما يضمن نجاحه في المراحل القادمة. لذلك تجد أن الطالب محاط بكمية كبيرة من القلق لا تكاد تنفك منه.
والمسألة ترتبط تحديداً بقدرة الطالب على التكيف مع نظام تعليمي و حياة اجتماعية جديدة بالكلية. و هذا أمر ليس بالهين، خصوصاً أن المبتعث يفتقد للمعلومات الدقيقة عن التجربة عموماً، و يظل رهيناً للتصورات الخاطئة حتى يخوض التجربة و يغيرها.
هل من الممكن أن تذكر لنا بعض التصورات الخاطئة المرتبطة بالعملية التعليمية في الخارج؟
أعتقد أنها كثيرة جداً، لعل من أبرزها ما يُشاع من أن الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية سهلة جداً، و أن اهتمام الجامعات بالتحصيل الأكاديمي أضعف من اهتمام الجامعات العربية بهذا الجانب. و لذلك تجد أن الطالب في البداية لا يأخذ الدراسة مأخذاً جاداً.
و من أشهر ما يُشاع، هو الانطباع المترسخ بأن الطالب العربي هو أذكى طلاب العالم في العلوم التطبيقية مثل الرياضيات و الفيزياء و الكيمياء، وأن الطالب الأمريكي لا يمكن أن يتقن هذه العلوم، ولا أن يصل إلى مستوى نظيره العربي. و هذا أمر غريب و طريف.
في نظرك، كيف نشأت هذه التصورات الخاطئة؟
جانب مهم يرجع إلى خلل في المعايير والأدوات التي توصل لمثل هذه النتائج الخاطئة، فمثلاً هناك انطباع أن أسئلة الاختيارات أسهل كثيراً من أسئلة الحفظ، و بما أن أغلب الاختبارات في أمريكا أسئلتها اختيارات، فمعنى هذا أنها أسهل من أسئلة الاختبارات في الجامعات العربية. لكننا رأينا في اختبارات الثانوية العامة، عندما أصبح جزء منها أسئلة اختيارات، جاءت حملات الاعتراضات كبيرة للغاية، مما يدل على أن التجربة علمتنا أن الانطباع قد كان خاطئاً.
كذلك، فإن هناك أدوات معينة لا تُحسب في التقييم و الموازنة أثناء المقارنة، مثل البحث العلمي. فنحن ننظر للبحث العلمي و للواجبات الأكاديمية بأنها مجرد ترف فكري، و لذلك لا نجعله مصدر تفضيل بحال من الأحوال.
لكنك قد تجد أحياناً بعض خريجي أمريكا هم من ينقلون هذه التصورات على النحو الذي ذكرت؟ كيف تفسر هذا؟
أتفق معك في هذا، لكن يجب أن تدرك أن جل هؤلاء هم ممن تخرج في فترة السبعينيات و الثمانينيات الميلادية. و في تلك الفترة لم يكن هناك تدقيق كبير في اختيار الجامعات التي يدرس فيها الطالب، فتجد أن كثيراً منهم قد تخرج من جامعات ليست من ضمن قائمة الـ (400) الأوائل. هذا مع العلم بأن أمريكا وحدها فيها حوالي (3000) مؤسسة أكاديمية، فمن الطبيعي أن يكون كثير منها تجارياً، و من الطبيعي أيضاً أن تجد بعض هؤلاء يقول لك بأن الدراسة فيها أسهل من الدراسة في المرحلة الابتدائية فضلاً عن الجامعية.
ما هي –بنظرك- أبرز الصعوبات التي تواجه الطالب؟
خلال السنة الأولى، يواجه الطالب بعض المشاكل في اللغة، و لذلك يكون تواصله الاستيعابي أضعف كثيراً من غيره. و يظل يواجه شيئاً من الحرج أثناء التفاعل مع الأسئلة التي يلقيها المعلم أثناء الشرح، و تظل هناك بعض العبارات غامضة، نظراً لأن بعض المدرسين يتحدث بسرعة كبيرة أحياناً. و هذا يقلل من مستوى التحصيل العلمي.
هل لمثل هذه الصعوبات انعكاسات سلبية؟
طبعاً؛ لأن هناك الكثير من مشاعر القلق تجتاح الطالب خلال هذه الفترة، ووجود هذا القلق يقلل بلا شك من مستوى التحصيل. و أسوأ مرحلة يعيشها الطالب، حينها تجتاحه مشاعر الإحباط في منتصف الفصل الدراسي، و يظن حينها أن الإخفاق الدراسي سيلازمه، و هذه المشاعر إن لم يحاربها، فإن آثارها عميقة على الدراسة و على حياته الاجتماعية على حد سواء.
و هنا تبدأ مشاعر الحنين السلبية للعودة للوطن، و هي ما يُعرف بـ(Homesick)، و يظل متعلقاً بالعودة إلى الوطن حتى يشغله هذا التفكير عن مواجهة التحديات الواقعية بشكل إيجابي. و نحن لا نحارب المشاعر الطبيعية، إلاّ إذا كانت في حقيقتها مجرد هروب من الواقع.
كيف بنظرك يمكن تجاوز هذه الصعوبات؟
يجب أن يؤمن الطالب إيماناً عميقاً أن كل مشكلة و لها حل، و أنه قادر تماماً على هزيمة كل الظروف السيئة مهما كانت. فمثلاً عندما يواجه مشكلة في اللغة، فعليه أن يخصص وقتاً أكبر لإعادة قراءة المادة المكتوبة وللإعداد قبل بداية الحصة. وعند الطالب فسحة كبيرة للقيام بهذا، فغيره مطالب بالعمل لكي يوفر تكاليف دراسته، بينما هو غير ملزم بدفع مثل هذه المصاريف، و بإمكانه تخصيص الوقت لمعالجة بعض القصور.
وهل لمثل هذه الصعوبات أثرها الإيجابي؟
هذه نقطة دقيقة جداً، و يدل على أن كل ما يواجه الإنسان من الممكن أن يكون خيراً. فالصعوبات والتحديات هي التي تدفع الإنسان للبحث عن الحلول مهما كانت بعيدة المنال. و يقرر الإنسان حينها الخروج من عزلته، و البحث عن الناس القادرين على المشاركة في توجيهه توجيهاً إيجابياً، ويتعرف حينها على معادن الناس و على قدراتهم، ويدرك وقتها تصوراً دقيقاً لأهمية التفاعل الاجتماعي يخترق كل أبواب وعيه.
وفي بعض الحالات، تكون هذه الصعوبات وسيلة في صناعة المثقف. فتجد بعض الشباب قد بدأ اهتمامه بالقراءة في كثير من المجالات المعنية بالتجربة، فتجد عنده معلومات دقيقة عن الحضارة الغربية وعن التاريخ، وعن علم النفس و علم الاجتماع، و كلها لم تكن لتتكوّن، لولا أن وجد حاجة ملحّة تدفعه للقراءة لكي يفهم كيف يتفاعل بشكل إيجابي و ناضج.