الابتعاث في ظل الطفرة الاقتصادية الأخيرة التي تعيشها المملكة العربية السعودية, تفجرت بوادر الوعي – أكثر من أي وقت مضى – بأهمية رعاية خطط التنمية و إسراع وتائرها و رفع معدلات النمو في كافة القطاعات, و هذا ما تجلى في تدشين جملة من المشاريع الضخمة في القطاعات الصناعية و البترولية و الغاز و بناء ما يعرف بالمدن الاقتصادية. و هذا الوعي بأهمية البناء الحضاري أفرزته مجموعة من التحديات الإقليمة و العالمية في كافة الجوانب.
و يدرك القادة و المسؤولون أن قيام مثل هذا النوع من المشاريع لا يتم دون تطوير الموارد البشرية القادرة على القيام بمسؤوليتها تجاه تنفيذ و تحقيق البنية الاقتصادية و الاجتماعية, و أن توفير المهارات و الخبرات ضرورة ملحة في توجيه و متابعة الاستخدام الرشيد للموارد.
و لأن التعليم هو أهم مناطق الاستثمار الفعال التي تخدم برامج تطوير الموارد البشرية, جاء قرار الدولة بتفعيل برنامج الابتعاث إلى الخارج بعد فترة من السكون كانت قد فرضتها الظروف الاقتصادية و السياسة خلال الحقبة التسعينية من القرن الماضي. و يقدم البرنامج فرصا لإتمام التعليم العالي في مختلف التخصصات في العلوم الإنسانية و التطبيقية بناء على توزيع يتوافق مع خطة التنمية. و تشير التوقعات أن عدد المبتعثين و المبتعثات قد يصل إلى ثلاثين ألف خلال خمس سنوات.
و منذ صدور قرار الابتعاث, استقبلت وزارة التعليم العالي عشرات الآلاف من الطلبات الراغبة بالالتحاق بالبعثة. و مما يجدر ذكره أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت الاختيار الأول لأغلب المتقدمين رغم الظروف السياسية الراهنة, و برغم أيضا الصعوبات التي تواجه المتقدمين على تأشيرة الدخول إليها. و هذا ما يعكس رغبة جامحة لدى كثير منهم في إحداث نوع من الاندماج مع الحضارة الحديثة و إنتاج قيمها و استهلاكها إلى جانب منتجاتها. و قد أصبحت بعض هذه القيم مجسدة و جلية في واقعنا, فالحديث عن الاقتصاد و أسعار الأسهم و الربح و الإستثمارأصبح أكثر الأحاديث جاذبية و سيطرة على العقول و المجالس. وهذه كلها تضخمت مع سيادة المذهبية الرأسمالية عالميا و انتقال عدواها إلينا. و بما أن الإبتعاث يوفر فرصة وظيفية بدخل مميزيرفع من مكانة الفرد في سلم الطبقات الاجتماعية, كان هذا كافيا لتحريك هذا العدد الضخم للتفاعل مع القرار أكثر من أي محفز آخر.
وفي نفس الوقت الذي نجد فيه هذا الإقبال الكبير على خوض التجربة, نجد أن طرفا آخرا وقف موقف الضد من قرار الابتعاث, حيث يرى أن التغيير الاجتماعي حينها سيتجه نحو السلبية و فساد المجتمع. و بدأ بمحاولة التشكيك في جدوى القرار و جديته في دفع مسيرة الإصلاح. كما يدعي أن العقيدة و الأخلاق ستتعرضان لهجوم شرس أثناء الاندماج في الثقافة الغربية سيهزم أبناءنا, ثم تنتقل العدوى لتفشو في المجتمع المحافظ حتى تهدمه تماما. و لذلك بدأت حملة كبيرة على المنابرو مواقع الإنترنت تحذر الشباب من الانجراف وراء تحصيل الدنيا مقابل بيع الآخرة, و غير ذلك من المنذرات بالعواقب الوخيمة. و هذا ما جعل مجموعة من الناس تقتنع بقوة هذا الرأي و تعزف عن خوض التجربة محل الجدل.
فما رأيك أنت؟؟