مجانين .. فلاسفة !(1-2) ، (2-2)
أرجو أن لا يغضب السادة القراء فأنا لن أتحدث عن هذا الإنسان السويّ العادي .. فثمة بشر في هذا العالم يشاركوننا الأرض والمكان ..
بيد أنهم في وادٍ والبشرية كلها في واد آخر ..
فهم يهيمون حيثما وجدوا طريقاً سالكاً
ويستلقون حيث وقف الطريق ..
ويضحكون حينما يريدون ..
ويبكون حينما لا أحد يعلم .. فهم "مجانين" .
من الذي يجهل -مثلاً- مجنون ليلى (وقد كان هذا الاسم الحركي لـ:قيس العامري) الذي يقول :
أيَا وَيْحَ مَنْ أمسَى يُخَلَّسُ عَقْلُهُ
فأصبح مذموماً به كل مذهب
خَلِيّاً مِنَ الْخُلاَّنَ إلاَّ مُعَذَّباً
يضاحكني من كان يهوى تجنبي
إذا ذُكِرَتْ لَيْلَى عَقَلْتُ وَرَاجَعَتْ
روائع قلبي من هوى متشعب
وقالوا صحيح مابه طيف جنة
ولا الهمُّ إلاَّ بِافْتِرَاءِ التَّكّذُّبِ
وَلِي سَقَطَاتٌ حِينَ أُغْفِلُ ذِكْرَهَا
يَغُوصُ عَلَيْها مَنْ أرَادَ تَعَقُّبي
تتحدث أساطير كثيرة في العالم باختلاف ثقافاته عن مجانين لهم سمات العباقرة ..
وقد يروي المجتمع من خلال تلك الأساطير والأمثال آراءه في الأشياء والأشخاص والعلوم بل أحياناً .. والقضايا الدينية .
لا أنسى أبداً حكايا الدراويش والمجذوبين .. وعقلاء المجانين كما يسميهم ابن الجوزي فهو قد أفرد لهم أبواباً خاصة في كتابه"صفة الصفوة" بل وكتابا بهذا الاسم , فـ"بهلول" -على سبيل المثال- يعترض سبيل الخلفاء ويقول : لو دام هذا الملك لغيرك لما وصل إليك فلن يدوم لك هذا الملك! فيبكي الخليفة ويقول : من هذا ؟ فيقولون : بهلول المجنون . وهؤلاء المجانين هم العقل الباطني اللامفكر في المجتمع .. فهم يعبرون عن الإحساس الطفولي المباشر للمجتمع ..
فمجتمع التدين والمثالية ينتج مجانين أشبه بالزهاد والنساك ..
ومجتمع المدينة .. ينتج مجانين يعملون كالآلات .. ويدورون كالسيارات .. ويصفرون كما الأشياء من حولهم .
مثل شعبي يقول (خذ فهمهم من بهمهم!) وأستطيع أن أترجمه بالجملة التالية"خذ حقيقة الناس من الذين لا يفهمون فيهم" فالذين لا يعقلون يعبرون عن الحقائق في المجتمع بكل بساطة ومباشرة ,
ويحكون عن الأشياء بكل وضوح بدون مساحيق تجميل ولا تزويق ولا تزييف .
هل تعرفون أن الكثير من المجانين في بقاع كثيرة هم أصحاب الرأي والمشورة ..
وفي أماكن أخرى قد يتبرك بهم الناس ,
وآخرون يقومون أمام الجمع الكبير ليخطبوا حول كل شيء , وربما أبكوا الناس .. كما كانوا يضحكون الناس في أحايين أخرى .
يقولون بأن مجنوناً قام ليتحدث ويعظ فنظر حوله إلى جمهور العقلاء وقال : إذا كنت أنا أعظكم وأنا مجنون .. فمن العاقل فيكم !
__________________ "لقد حول الإسلام القبيلة إلى أمة ..
والصعلكة إلى تضحية ..
والوراثة إلى كفاءة "
(م المختار ش) |