عرض مشاركة واحدة
قديم 19-09-2007, 09:13 AM   #1 (permalink)
عبد الله العُتَيِّق
صديق مميز
 
الصورة الرمزية عبد الله العُتَيِّق
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
المشاركات: 1,088
عدد مرات شكره للأعضاء: 28
شُكر 306 في 105 موضوع
عبد الله العُتَيِّق is on a distinguished road
افتراضي مجالسُ المتنبي ( 4 )

مجالس المتنبي
المجلس الرابع
7/9/1428هـ
19/9/2007م

قال أبو الطيب المتنبي :


وَ مَنْ يَجِد الطَّريقَ إلى المعَالي=فَلا يَذَرُ المَطيَّ بِلا سَنَامِِ
وَحْيُ البيت :
مَن لقيَ في نفسَه طموحاً نحوَ غايةٍ نبيلةٍ ، و مقصدٍ سامٍ ، و بانَ له الطريقُ ، و اتضحتْ معالمُ سابلةِ المجدِ ، فلا يتركنَّ شيئاً من المطايا ليرْكبَها ، فإنَّ الطريقَ مِلْكُه ، و لم يَعُدْ سوى وَضْعُ القَدَمِ ، و البَدء بالخُطوة الفاعلة
وزَّعُ الله الهممَ بين الناسِ ، و قسَّم العزائمَ بينهم ، و ربَّما اجتمعتْ و ربما افترقت ، و بيَّنَ الطرائقَ و السُّبُل ، فبانَ الكلُّ للكلِّ ، أرزاقٌ مُوَزَّعة ، و نِعَمٌ مُنَوَّعَة ، كلٌّ يُدركُ مقسومَه ، و يأخذُ معلومه .
و أكملُ الناسِ مَن علَتْ همتُه ، و قويَتْ عزيمتُه ، و بانت لَهُ طُرُقُ مُراداتِه ، فشَدَّ ساعد المسير ، و حدا بالدابَّةِ بالتغنِّي ، مَرِناً في مسيره ، متيناً في تشميرِه .
و ليسَ هذا معذوراً في ترْكِ اقتحامِ مصاعبِ الطرقِ ، فإنَّ الكمال لا يُنالُ إلا بالمُحال ، و شموخَ النفسِ إلا بِذَوقِ النَّحْسِ ، و التمامَ إلا بهجرِ المنامِ ،و المجدَ إلا بالحَدِّ و القَدِّ ، و ما لمْ يأتِ بِالتعبِ يَغْدوُ كاللُّعَب ، فإياكَ و التراجُعَ ، و احذرِ زيفَ التواضُع ، فأظهرِ مكنون القوة ، و استعلي ظهرَ الصهوة .
و أفصَحُ أبو الطيِّبِ قبلُ فقال :
عَجِبتُ لِمَن لَهُ قَدٌّ وَحَدٌّ= وَيَنبو نَبوَةَ القَضِمِ الكَهامِ
و بِقَدرِ الهمةِ يكونُ الهمُّ ، و الرجالُ بهمَمِهم و عزائمهم ، و لكلِّ صغيرٍ صغيرٌ ، و لكلِّ كبيرٍ كبيرٌ ، فللحويجةِ رُجَيلٌ ، فبِعِظَم المطلبِ يَعظُم الاقتحامُ و الخوضُ للشدائد ، و " الحياةُ مغامرةٌ جريئةٌ أم لا شئ " ، و لا يبينُ شرَفُ المطلوب إلا بمدى البذلِ لَه ، فـ ( من يخطُب الحسناء لَمْ يُغْلِهِ المهرُ ).
و مَن لمْ يَخُضْ معاركَ المجدِ فدعواه باطلة ، و همته ساقطة كَزَرْغَبٍ ، و عزيمته كبيت عنْكَبٍ ، و صِدقُه مفقودٌ ، و خَتَلُه موجودٌ ، فعلامةُ ما لمْ يَكُنْ الاعتراضُ للمحن و مهاجرَةُ الفَنَن .
و ما نيْلُ المطالِبِ بالتَّمَنِّي=و إنما تُؤْخَذُ الدُّنيا غِلابا

* * *

و يقلُّ عَنه منزلةً في الكمالِ مَنْ لَم تتضح له الطريقُ ليسلكها ، فعنده همةٌ تُفَتِّتُ الحديد ، و تُكسِّرُ الجبالَ ، و لكنَّ الطريقَ هي التي لم تُفْسَحْ له ، و لم تُواتِه الفُرْصَة لتحقيقِ ما يُريد ، و هذا حالٌ غالبٌ على كثيرين من أفاضل الناسِ ، تحدوهم الهمم العوالي ، و العزائم الكبار نحو غاياتٍ يتقاصَرُ عنها كلُّ دنيء الطبع ، فيبقى في حالٍ من الهمِّ و الغَمِّ ، يَرى إشراقاتِ مستقبلِه أمامه ، و يمنعه عن الولوج في طريقِهِ مُحقَّراتٌ مُصغَّراتٌ ، و تلك هي : القشَّة التي قصَمتْ ظهر البعيرِ .
و ليسَ في حكمِ أهل الهمم و العزائم ، و لا في دساتير ذوي الطموحات العالية البقاءُ باستسلامٍ ، و ضمُّ الأيدي فُرْجَةً ، و إنما خلْقُ الطريق ، و تمهيدُ السابلة ، فالطريقُ المسدودةُ كانت لا شئَ ، و كانت مَعِرَة ، فمهدها مَن كانت لَه عائقاً ، و سهلها من كانت حجرةَ عِثارِ أمامَه ، ففرَّج عن نفسه ، و لم يُخَيِّب أملَه ، و لم يرضَ بالبقاءِ ، لأن البقاءَ شقاء .
و متى بقيَ مَن أُوْصِدَتْ أمامَه الطُّرُقُ واقفاً لا حراك له ، فإنَّهُ نعيٌ لهمته ، و إمراضٌ لعزيمته ، و المرضٌ للموتِ عرَضٌ ، و الموتُ فوتٌ .

* * *

و أوْضَع الناسِ قومٌ كثيرٌ ليسوا إلى الهمِّ في المعالي ، و لا إلى عزمٍ على العظائم ، رضوا بالرتعةِ مع الراتعِ ، و أخملوا النفوسَ بِخِلْعَةِ الميئوس ، و لو أدركوا شأنهم ، و عرفوا نبأهم لشدوا المُطِيَّ ، و أعملوا الرواحلَ ، فلحقوا السابقين ، و بَسَقوا معَ الباسقين .
إن لبلوغِ المقاصِد ، و إدراك الأمنيات قانوناً قوياً ، و نظاماً مُحْكَمَاً ، من سلَك في تحقيقِ المطالبِ قانونها بلغها ، و من حادَ عنها ذِيْدَتْ عنه ، و بقيَ في حالِهِ .
همةٌ الشخصِ العاليةُ أساسٌ لبناءٍ عظيمٍ ، و قاعدةٌ لطريقٍ مُنيرٍ ، فإنها لا تزالُ تدفعُ بصاحبها حتى يُدرِكَ الشأوَ و يبلغ الأُمنِيَّة ، و لا تستقيم الهمةُ إلا بعزيمةٍ صلْبَةٍ ، تُواجِهُ المعترِض فتهزمه ، و تأتي على المُثَبِّطِ فتُنْهِضه أو تقرِضه ، فتغدو كشهابٍ يخترقُ طباقَ السحابِ ليُحدِثَ أثراً بعده ، يكون مَعْلَماً لمن مرَّ ، و بتحقٌّقِ الهمة العالية ، و العزيمةِ القوية ، يكون لدى الشخصِ الهمَّام العازم طرْقُ الطرُقِ ليشُقَّ سبيلَه على صهوةٍ الأملِ الواسع ، و المستقبلِ المُرْتَقَب ، فيضع أولَ خطواتِه طريقَ مجدِهِ فينفجر { مُغْتَسَلٌ باردٌ و شراب } فيتخلَّى عن خوامد المقاصد ، و يُعرِض عن سفاسفِ الهواتفِ ، غاسلاً قلبَه عن دنيءِ الهَّمِّ ، و قالَبَه عن رخيصِ الوصف ، فيشرَبُ مِن كأسٍ مِسْكُ خِتامِها عزيمةُ أهل العزم ، فيرتوي من معاني السَّبْقِ ، و يُدركُ مقاعِد الصِّدق ، و يَلْحَقُ و يُلْحِقُ ، و يسبِقُ و لا يُسْبَق ، فَمنْ أرادَ لقيَ ، و مَن حادَ شقيَ ، و ليسَ موهوبَ الهمةِ بسابقٍ إنْ جلَسَ ، و لا محرومها بممنوعٍ عن كمالٍ إن اقتَبَس ، فإن الكمالَ لمنْ صدَقَ في العزمِ ، و سبقَ في الهمِّ .


و إلى مجلسٍ آخرٍ بحولِ الله ...


[ المجالسُ السابقة :
مجالس المتنبي (1)
مجالس المتنبي (2)
مجالس المتنبي (3) ]
__________________
*
*




[ حينَ يُهدى إلى الشخصِ رَمْزُ شعارٍ يُميِّزُه ، يكون الشكرُ لازماً غيرَ منفَكٍّ ، و متَّصِلاً غيرَ منقطعٍ ، فلمن أهدى إليَّ هذه الصورةَ شُكرٌ ، و لكلِّ مَنْ أهداني صُوْرَةً ترْمُزُ لشعاري ... عبد الله العُتَيِّق ]

*
*

أُفُولٌ

التعديل الأخير تم بواسطة عبد الله العُتَيِّق ; 19-09-2007 الساعة 09:26 AM.
عبد الله العُتَيِّق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس