ألفاظ القرآن دقيقة محكمة وهناك لون من ألوان إعجازه هو الحديث عن بعض المسائل العلمية التي ثبت صدقها مؤخراً ، وذلك للدلالة على أن القرآن ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم، بل هو من عند لله العليم الخبير.
وبالتأمل فى بعض هذه التعبيرات نجد أنها محايدة في الأمور التي يختلف الناس عليها ولم يصلوا بعد إلى معرفة أسرارها ، وذلك ليدع مجال الفكر مفتوحاً للباحثين ، ليصلوا إلى آخر شوط ممكن.
وكلما جد البحث بشخص نظر إلى الآية فرآها كأنها معه في كل خطواته ، فيغريه ذلك على متابعة البحث إرضاء لشهوة العقل وحب الاستطلاع ، حتى إذا وصل إلى الحقيقة العلمية الثابتة وجد الآية معه أيضاً، وبوصوله إلى الحقيقة سيزداد إيماناً بصدق القرآن الكريم وأنه حق من عند الله سبحانه وتعالى.
إن النقص إذا كان يعتري بعض الدراسات في مجالي التأويل العلمي أو التفسير العلمي فإنه لا يصح أن يكون ذلك حكما على جميعها .
كما يجب أن لا يحملنا إسراف بعض المسرفين إلى إنكار التفسير العلمي إنكاراً تاماً .
وهذا هو الرأي الصحيح الذي أيده أصحاب الرأي المعتدل في التفسير العلمي بل وبعض الذين اعترضوا عليه ، فسيد قطب بعد اعتراضاته الكثيرة على التفسير العلمي قال :
( ولكن هذا لا يعني ألا نننتفع بما كشفه العلم من نظريات ومن حقائق عن الكون والحياة والإنسان في فهم القرآن .. كلا ! إن هذا ليس الذي عنينا بذلك البيان ولقد قال الله سبحانه " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ... "ومن مقتضى هذه الإشارة أن نظل نتدبر كل ما يكشفه العلم في الآفاق وفي الأنفس من آيات الله ، وأن نوسع بما يكشفه مدى المدلولات القرآنية ) .
ويقول الدكتور الذهبي ( وحسبهم أن لا يكون في في القرآن نص صريح يصادم حقيقة علمية ثابته ، وحسب القرآن أنه يمكن التوفيق بينه وبين ما جد ويجد من نظريات وقوانين علمية تقوم على أساس من الحق وتستند إلى أصل من الصحة ).
وجملة القول أن المؤيدين للتفسير العلمي والمعترضين عليه كلهم وبلا استثناء يقرون ويعترفون أن القرآن الكريم لم ولن يصادم حقيقة علمية ، وقد يحسب أحد أن السلامة من مصادمة الحقائق العلمية أمر هين وما على المتكلم إلا أن يتجنب الخوض في المجالات العلمية وأسرار الكون وبذلك يظفر بالسلامة .
والأمر حق لو أن القرآن الكريم سلك هذا المسلك ، ولكنه قد أنزل قبل أربعة عشر قرناً وهو يعرض لكثير من المظاهر الكونية لخلق السموات والأرض والجبال والإنسان وإنزال الأمطار والتحدث عن النجوم والكواكب والشهب وعن أطوار الجنين والنبات والبحار ... وغير ذلك ومعارف العلوم متعددة ومع هذا كله لم يسقط العلم الصحيح على مر الأيام كلمة واحدة من كلماته ولم يصادم جزئية من جزئياته مصداقاً لقوله ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً ).
وفي الحقيقة لا يجوز لباحث المسارعة إلى الخوض في التفسير العلمي إلا بعد استيفاء شروطه وضوابطه ، وأهم شروطه :
1 ـ أن يكون التفسير العلمي للآيات الكونية مطابقاً لمعنى النظم القرآني.
2 ـ أن لا يخرج عن حد البيان إلى عرض النظريات العلمية المتضاربة.
3 ـ أن يتحقق الباحث من ثبوت القضايا العلمية التي يفسر بها معاني الآيات الكونية.
4 ـ أن لا يحمّل الآيات حملاً على النظريات العلمية.
5 ـ أن يلتزم بالمعاني اللغوية للآيات، لأن القرآن عربي مبين .
6ـ تجريد البحث عن جميع الاحتمالات المظنونة ، فلا تفسير إلا بما هو ثابت.
7ـ جعل الآيات الكونية أصلاً في البحث لا تبعاً له. .اهـ مسيرة التفسير بين الانحراف والاختلاف .
التعديل الأخير تم بواسطة muhmmdkalo ; 29-08-2007 الساعة 08:13 PM.
|