أودّ التعقيب على مقولة: أن الإنسان يصرّ على الإفساد من أجل رفاهيته ، وتسبب بثقب طبقة الأوزون لأجل أن يلبي نهمه إلى الراحة والدعة.
أقول :
إن علماء قد اصطلحوا على تسمية عصرنا منذ القرن الماضي بمجتمع المخاطر.
وفي العام الماضي اجتمع كبار أهل الفكر في العالم ليناقشوا ما يواجهه مستقبل البشرية من مخاطر(عام 2006 م) .
بيد أنّ هؤلاء ينظرون إلى المخاطر نظرة مزدوجة : فهي من جهة جديرة بالدراسة والتصدّي لها لما تشكّله من خطر حقيقي على البشرية
وهي-في الوقت عينه- أمر لا بدّ منه، وضريبة لا بدّ من دفعها ثمناً للتقدّم والتطوّر.
فخوض المخاطر هو الطريق إلى التقدّم.
ورب سائل: أيّ تقدّم يقصدون؟
والواقع أن اختلاف المفاهيم هو سبب اختلاف المواقف
ففي شرع القوم، راحة الإنسان ودعته هدف. ذلك أن حضارة القوم ماديّة بحتة. وإذاً فإغراق السوق بالمنتجات هو عين التقدّم . حتى لو أهملنا الجانب العلميّ المعرفي ، وحده الإنتاج تقدّم .
والآن ،ما موقف المجتمعات (التقليدية) من المخاطر؟ . إنها مجتمعات لا تعرف إلا لوناً واحداً من الخطر –برأي هؤلاء- إنه الخطر الخارجي كالزلازل والكوارث التي لا دخل للإنسان بها. أما المخاطر الناتجة عن التقدّم فلا يعرفها هؤلاء(يزعمون) لأن ثقافتهم ماضويّة، لا ينظرون إلى المستقبل ولا يعتنون به، فهم يعتقدون أنه ليس بأيديهم صناعته والتحكم به، ويردّون علمه إلى الغيب.
وبقدر ما هي متطرّفة هذه النظرة ،إلا أنه يسعنا التعجب: لماذا شعوبنا لا تتطلّع فعلاً إلى المستقبل؟ . ولا تتوقف عن استهلاك (كماليات) هي من صنع حضارة مسرفة –برأي هذه الشعوب- في طلب تقنيات الراحة؟ .
ليس الجواب على ذلك يسيراً. لأن ما كنا نعتبره بالأمس القريب كماليات ، سرعان ما أصبح –بفضل العولمة-من ضروريات الحياة.
العالم كلّه يتنافس في مجال الاستهلاك. تدخل التعاونيات فتجد فيها أنواعاً وألواناً من كلّ منتج وإذا هي تشدّك إلى الشراء.
تجلس أمام التلفاز فيقدّم لك فنوناً من المنتجات (المريحة والتجميلية والعلاجية...) . حتى يفقدك –حقيقة-حريتك في الاختيار.
نحن مأخوذون فعلاً بهذا الكمّ الهائل من المنتجات ، التي تتنافس الدول في إنتاجها ويتنافس العالم العربي في شرائها.
حتى باتت القدرة الشرائية الاستهلاكية مؤشراً على نجاح خطة تنموية أو فشلها.
ويبدو الأمر وكأن الإنسان استحال وحشاً فعلاً ، لدرجة إنّ نهمة وحش كأمريكا إلى التنمية الاقتصادية، ألجأتها إلى رفض التوقيع على بروتوكول كيوتو للتخفيف من التلوّث، حرصاً على كميّة الإنتاج.
وإذا كنا نذمّ هذا الشغف بالإنتاج، على حساب مستقبل آمن للبشرية. فأولى بالذمّ الشعوب الاستهلاكية لأنها تساهم من ناحية في هذا الخطر بتشجيعها الإنتاج، ومن جهة ثانية هي لا ترفع من جهوزيتها لاستقبال تحدّي العولمة الاقتصادية .
والاعتماد على النفط خيار خاطئ، لأن النفط مورد مستنفد، ولأن العالم الصناعي متوجّه اليوم إلى استبدال الطاقات النظيفة بالطاقات الملوّثة ، وبالفعل صرنا نجد معامل طاقة هوائية أو شمسية...
إن على العالم العربي أن يعنى بالزراعة لتحقيق مستقبل آمن
أن يعنى بمياهه ، فالحرب القادمة هي حرب مياه . ولا نكتفي بشراء المواد الغذائية .
أن يعنى قبل ذلك وبعده بعقوله المفكّرة وأياديه المنتجة .
وإن لم يكن للإنتاج إلا فضيلة واحدة وهي: تحريرنا من التبعيّة لكفى.
كما ينبغي تبني نظم اقتصادية تحدّ من حالة الشره الاستهلاكي
نظام الاقتصاد الحرّ الموجّه قد يكون أنسب من نظام الاقتصاد الحرّ قبل أن تكتسح ديارنا جراثيم العولمة. نظام يؤمن بالمثل الشعبي القائل: خبّي قرشك الأبيض ليومك الأسود.
وأخيراً : سلوا الاقتصاديين عن حلول .
لكن أنا أعرف أنني أدرّب أولادي على ترشيد الإنفاق. فأعطيهم مصروفهم الشهري وأقول لهم: هذا هو حتى نهاية الشهر. لقد تعوّدوا هذه الطريقة وباتوا لا ينفقون منه إلا القليل. يوفّرونه لشراء هديّة لصديق أو شراء لوازم لغرفهم أو لممارسة هواياتهم.
أتحدّث عن ولدين فقط. الثالث معجّزني.
|