الموضوع: الرؤية (8)
عرض مشاركة واحدة
قديم 25-11-2006, 04:40 PM   #1 (permalink)
غادة أحمد
صديق ماسي مميز
 
الصورة الرمزية غادة أحمد
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
الدولة: حيث تكون الحقيقة !
المشاركات: 4,326
عدد مرات شكره للأعضاء: 560
شُكر 468 في 220 موضوع
غادة أحمد is on a distinguished road
افتراضي الرؤية (8)

دائماً ما توصل المقدمات الصحيحة إلى نتائج صحيحة و استنتاجات قلما تخطئ ، و بخاصة عندما يتجرد المرء من أي مؤثرات مصاحبة عند التفكر و التأمل .

جميلة العاطفة ، و كم تمنح المرء عمقاً عند التعاطي مع الأحداث ، و إحساس الأم قلما يخطئ ، و لكن مشاعر آمنة بنت وهب كأم حنون لم تكن الباعث الوحيد للحكم الصادر منها تجاه حادثة شق الصدر التي وقعت للحبيب صلى الله عليه و سلم ، و لذا كان جوابها لما رجعت به حليمة و زوجها بعد وقوع هذه الحادثة خوفاً عليه

" ما رجعكما به قبل أن أساأكما ، و قد كنتما حريصين على حبسه ؟ فقلنا : لا شيء إلا أن قضى الله الرضاعة و سرّنا ما نرى ، و قلنا : نؤويه كما تحبون أحب إلينا ، فقالت : إن لكما شأناً فأخبراني ما هو ، فلم تدعنا حتى أخبرناها ، فقالت : كلا و الله ، لا يصنع الله ذلك به ، إن لأبني شاناً ، أفلا أخبركما خبره ، إني حملت به ، فو الله ما حملت حملاً قط ، كان أخف عليّ منه، و لا ايسر منه ، ثم رأيت حين حملته خرج منى نور أضاء منه أعناق الإبل ببصرى ، ثم وضعته حين وضعته ، فو الله ما وقع كما يقع الصبيان ، لقد وقع معتمداً بيديه على الأرض رافعاً رأسه إلى السماء فدعاه عنكما فقبضه ، و أنطلقا " .

لقد بنت جوابها هذا و أسست تلك النتيجة في أن لإبنها شاناً على مقدمات صحيحة وعتها جيداً و استدعتها في الوقت المناسب لتصيغ من خلالها رؤيتها للحدث و الحكم عليه .

إن التوسط في العناية بالمقدمات و أخذها في الاعتبار دون الإغراق في تحليلها ، و حسن توظيفها في الوقت المناسب ليوفر الكثير من الوقت و الجهد و التقليل إلى حد كبير من عنصر المفاجأة و ما ينشأ عنه من تخبط عند الحكم على الحدث و التعاطي معه ، و لقد حفلت الكثير من آيات القرآن الكريم ، و مواقف السيرة بهذا الفن و أولته عناية شديدة و اهتمام كبير .***

إن هذه الحادثة ما كانت لتمر على الرسول عليه الصلاة و السلام دون مشقة أو عناء ، و لعل الوصف الذي اتفقت عليه المراجع لما أسرعت إليه حليمة و زوجها " فخرجت أنا و أبوه يشتد ، فوجدناه قائماً ، قد انتقع لونه ، فلما رآنا أجهش إلينا و بكى" ، و في رواية لمسلم في كتاب الإيمان " فاستقبلوه و هو منتقع اللون " .
إن هذه الحادثة لهي رمز لتطهير النفس من حظ الشيطان و ما يسوله لها من معاصي ، قد كان للرسل و الأنبياء من هذا الحظ الأوفر ببلوغ العصمة في هذا الشان ، و يبقى البشر بعد ذلك ما بين مقل و مستكثر ، و في هذا يمضي المسلم يجاهد حتى يأتيه اليقين .
كان من اليسير أن تمر هذه الحادثة دون أي إحساس بالألم أو الخوف أو الاضطراب الذي وقع للرسول عليه الصلاة و السلام ، و لكن ليعلم المسلم و " يُشرب" قلبه أن جهاد النفس أمام الهوى و نزغ الشيطان سيصحبه حتماً ألم ، فالنفس تميل إلى الراحة و الدعة و السكينة و قبول الحال على ما هو عليه ، و لكن التغيير له ثمن ، و الثواب على قدر المشقة ، فلا يتوقع أحدٌ كائن من كان أن نفسه ستصلح و تسلم الزمام طواعية دونما ألم أو جولات من الفوز و الخسارة ، و مشاعر متباينة ما بين فرحة بطاعة يوفق إليها ، و معصية يتحسر بألمٍ عند وقوعها ، و من ثم نشوةٍ ! بالعودة بعد الإفاقة و التوقف للمحاسبة و المراجعة .

و الحادثة حقيقة تبدو غريبة ، خارقة للعادة ، قد يتردد الكثير في قبولها على ظاهرها ، فينزلق ، و يبعد النجعة في تأويلات لا حاجة لها ، و في هذا يقول د. البوطي " و أياً كانت الحكمة ، فلا ينبغي - و لقد ثبت الخبر ثبوتاً صحيحاً – محاولة البحث عن مخارج لنخرج منها بهذا الحديث عن ظاهره و حقيقته إلى التآويل الممجوجة البعيدة المتكلفة ، و لن تجد من مسوغ لمن يحاول - على الرغم من ثبوت الخبر و صحته – إلا ضعف الإيمان بالله عز و جل ".
و لعل من الأسباب الداعية لذلك أيضاً حالة الضعف التي تعيشها الأمة ، و هي مطالبة بذات الوقت بعرض هذا الإسلام على البشر جميعاً في زمان لا يقبل فيه الكثير منهم إلا ما يخضع للعقل و تفسيراته، فيتسلل إليها هاجس غير صحيح على الحقيقة أن مثل هذه الروايات لتزيد من ضعف النهج الذي ندعو إليه ، علاوة على ما يكتنفه من ضعف حملته ، فينشأ هذا الضرب الغالي في التفسير .
و لئن كان المسلمين في حالة من الضعف و الوهن في هذا الزمان فإن هذا لا يعني بحال ضعف الرسالة التي حُملنا إياها ، لكن قد يحثنا ذلك لإعادة النظر في الأولويات التي نسوقها عند الدعوة لهذا الدين ، فتؤجل التفصيلات و مثل هذه الروايات لحين رسوخ العقيدة ، و قد كان القرآن عند مخاطبته للناس "يا أيها الناس" مشتملاً على الكليات ، فلما لامس الإيمان شغاف القلوب كان الحديث عن الجزئيات "يا أيها الذين آمنوا " .
و من هنا فأي نفع نرجوه و أي فائدة نبتغيها عندما نلزم من اهتدى للإسلام حديثاُ بالختان مثلاً ؟ أو الحرص على أداء السنن و النوافل ، أو عند إخبار المرأة أن من حق زوجها أن يتزوج بأربع ، و قد حدث ، مما جعل البعض يترددون بالفعل بقبول هذه الشريعة .
و من كان ذا رؤية ، كان له في كل مقام مقال .

**********

و مقدمات بلا نتائج ***

http://muntada.islamtoday.net/showthread.php?t=1527
غادة أحمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس