الموضوع: الشباب
عرض مشاركة واحدة
قديم 20-11-2006, 03:23 PM   #27 (permalink)
نداء
صديق مميز
 
الصورة الرمزية نداء
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
المشاركات: 1,074
عدد مرات شكره للأعضاء: 0
شُكر 14 في 14 موضوع
نداء is on a distinguished road
افتراضي

شبابنا وشبابهم



ينتابني شعور غريب أحياناً بأن أعقد مقارنة بين شباب أمتنا، وواقع الشباب في دول الغرب عامة، وليس من منظور عقائدي، بل من واقع اجتماعي، ومنطلق اقتصادي، وخلفية ثقافية، ففي المقارنة بين حالات شباب الأمم المختلفة مؤشرات مفيدة عن القيم المهيمنة، والنظم السائدة في تلك الأمم مثلما أنها تعكس حقائق عن حياة الأمم عامة، وواقعها الاجتماعي، والاقتصادي، والثقافي بصفة خاصة، فالشباب في أي أمة هم عنوان حاضرها، وعدة مستقبلها، ولا غرو أن تعقد المقارنة بينهم للتوثق من حاضرهم، والاطمئنان على مستقبلهم.

ولكن متى تكون المقارنة؟!

تكون المقارنة في كل مرة يلحظ المرء فيها الفروقات بين المجتمعات العربية، والإسلامية، ومثيلاتها الغربيات من حيث الإنتاجية والعطاء وكيفية التعامل مع الوقت. وتكون المقارنة أكثر إلحاحاً عند مشاهدة حالة شباب الأمة، وحالة شباب الغرب خلال فترات الراحة، والترويح مثل الحفلات الغنائية التي تنقلها محطات التلفزة العربية الفضائية للمشاهدين حية على الهواء بعد أن غدت تلك الحفلات نهجاً ثابتاً لتلك الفضائيات في الزمن المتفلت من عقاله! وحالة أقرانهم من شباب الغرب الذين يحضرون حفلات مثيلة نشاهدها على محطات التلفزة الغربية. في الحالتين نجد الشباب يرقص بحبور ويردد ما يسمعه من أغان بسرور، فأسأل نفسي: إن كان للشباب الحق في الرقص والغناء والاستمتاع بأوقاته لأسباب عدة ليس أقلها طبيعة نظامه الاجتماعي، وخلفيته الثقافية، ومناهج تربيته بجانب حرصه على الترفيه عن نفسه بعد أوقات عمل وجهد شاقة قضاها، ولكن ماهي مبررات ابتهاج وفرح شباب أمتنا؟! أهو حقاً بسبب حاجته إلى الترفيه بعد أن قضى هو أيضاً أوقاتاً طويلة في عمل مضنٍ؟! وأين هو هذا العمل المضني الذي يقوم به الشباب العربي والمسلم؟! أم هو مجرد تقليد لما يفعله شباب الغرب بطريقته الخاصة؟! أهو بسبب ضياع يعيش فيه شباب الأمة؟! أم بسبب واقع يهرب منه؟! أم تراه يرقص مذبوحاً من الألم؟!

نحن بأسئلتنا التعجبية هذه نبحث عن سبب أو أسباب تجعل شباب الأمة يفرح مبتهجاً ويرقص طرباً كغيره من شباب الدنيا، فهل نجدها؟!

سنجيب عن ذلك في ما بعد، أما الآن دعونا نسأل عن الداعي للمقارنة وكيف تكون؟!

أقول لكم: إن المتأمل في شأن الحياة في مجتمعات الغرب يجدها تسير على إيقاع سريع ومتناغم مع طبيعة تلك المجتمعات.. ترى أهلها يقضون نهار يومهم في العمل الجاد فإذا جاء المساء شاهدتهم عائدين إلى منازلهم منهكين طلباً للاستمتاع والراحة ترقباً ليوم جديد وجهد آخر، تجدهم يكدون ويتعبون طوال الأسبوع فإذا جاءت عطلة نهاية الأسبوع نسوا أعمالهم اليومية وما تسببه من متاعب واتجهوا نحو الراحة والمتعة لتجديد نشاطهم استعداداً لأسبوع جديد من الكد والتعب، وهكذا دواليك. تلك هي الحياة في المجتمعات الغربية.. استثمار للوقت في ما طائل منه ونفع فيه، وطلب للراحة بعد كد وجهد، وسعي إلى الترفيه بعد معاناة وتعب، لا خلط بين جد وهزل أو عمل وتراخٍ أو جهد وإهمال، كل شيء في حياتهم بحساب وكل تصرف بمقدار.. هذا لا يعني بطبيعة الحال أنهم ملائكة ففيهم عيوب كسائر البشر ولهم تصرفات كباقي الناس، ولك أ ن تنتقد مجتمعاتهم وتصرفاتهم وعاداتهم بمقاييسك الأخلاقية كيفما شئت وحيثما أردت، لكن شيئاً واحداً على الأقل لا تستطيع نكرانه عليهم أو دحضهم فيه وهو تنظيم الوقت، فالوقت عندهم ينال احترامهم المشوب بالقداسة.. يعرفون كيف يستثمرونه في ما ينفعهم، ويستغلوه في ما يصلح لهم فلا يذهب هدراً ولا يضيع سدى، فهل يحق لنا بعد ذلك أن نتعجب منهم إن هم روّحوا عن أنفسهم بأساليبهم التي تعارفوا عليها واقتضتها طباعهم وعاداتهم ونظمهم الأخلاقية وقيمهم الثقافية؟! لا نظن، فذاك شأنهم وذاك حالهم.

ولكن ماذا عن حال شباب أمتنا العربية الإسلامية؟!

سؤال نجد إجابته في ما نراه في مجتمعاتنا من غياب مخافة الله وتقواه عن ضمائر الكثيرين في أداء الواجبات بإخلاص، وفي القيام بالأعمال بإتقان، وفي بذل الجهود بتفانٍ.. سؤال نجد إجابته في ما يلحظه المرء في جل مجتمعاتنا ـ إن لم يكن فيها جميعها ـ من خلط عجيب بين الجد والهزل، والعمل والتسيب، والجهد والتراخي، فالوقت مهدر ولا قيمة له، والأمانة ضائعة ولا التزام بها، والنزاهة مفقودة ولم نعثر عليها، والإخلاص غاب عنا ولم يعد لنا.. كل هذا ونحن أمة تدين لعقيدة تحض على الأمانة والنزاهة والإخلاص وكل القيم الرفيعة والمبادىء السامية.. أمة أقسم ربها بالفجر والضحى والعصر والليل، فهل الغرب أجدر منا بتقديس الوقت والمحافظة عليه، وباحترام العمل والإخلاص فيه، وبتقدير الواجب والتفاني من أجله؟!

بعد كل هذا الواقع الأليم لحال مجتمعاتنا: أولم يحق لنا أن نندهش، بل ونستهجن تمايل كثير من الشباب الذي يحضر في الحفلات الغنائية الفضائية وهم لم يبذلوا جهداً يستحقون عليه هذا الترويح.. بل ربما لم يكسب بعضهم أثمان تذاكر تلك الحفلات من عرق جبينه أو من جهد بذله أو من عمل قام به.

أو لا يحق لنا أن نتساءل: ما الحكاية بالضبط؟ وإلى أين نحن متجهون؟! ومن المتسبب في هذا؟! وكيف المخرج؟
!

د. محمود محمد سفر
__________________
نداء غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس