عندما تبني إنساناً فإنك تبني العالم في إحدى ليالي الشتاء الباردة، على نهر التايمز، كنا نحتفل بعيد الفطر المبارك في مدينة نيوكاسل الإنجليزية، وهذه مناسبة يجتمع فيها الإخوة من أصقاع مختلفة من العالم الإسلامي في تظاهرة يسميها سكان المدينة المسلمون «البيت المفتوح»، ويقوم فيها أحدهم بدعوة جماعة المسجد للاحتفال بالعيد في بيته، وهي دعوة تستمر طوال اليوم، بحيث يكون البيت مفتوحاً لاستقبال المهنئين الذين غالباً ما يأتون على شكل جماعات متفرقة، لعلمهم بضيق مساحة المساكن في تلك البلاد. في ذلك اليوم انتفى لدي إحساس الغربة الذي كان يزيده الشتاء القارس وسيطرة اللون الرمادي على كل ركن في المدينة حدة وكآبة.. لقد أعادني العيد وتجمع الإخوة بدفء مدينتي، فبيتنا في العيد أشبه ما يكون بالبيت المفتوح لاستقبال الأقارب والجيران. في ذلك اليوم كان صاحب البيت مشغولاً جداً، وقد زاد من انشغاله ابنه الصغير الذي كان كثير الحركة فلا يجعله يقوم على خدمة ضيوفه بصورة مرضية مما جعله يفكر في عمل ما يشغله حتى يتفرغ لضيوفه، فما كان منه إلا أن قام بنزع خريطة كبيرة للكرة الأرضية كانت معلقة على الحائط وأخذ يقطعها على شكل قطع صغيرة ثم أعطاها لابنه وطلب منه أن يعيد تركيب الخريطة من جديد. ولكن ما انقضت دقائق قليلة حتى عاد الصغير إلى أبيه وقال له لقد فرغت من تركيب الخريطة.
لقد ذهلنا من سرعة الطفل في تركيب الخريطة وكان استغراب المضيف أشد، فقال له كيف استطعت تركيب خريطة كبيرة مليئة بالخطوط والأسماء بهذه السرعة.. لكن الطفل أجاب في براءة وهو يقلب جزءاً من الخريطة على وجهها الآخر: «هناك رسم لإنسان على وجه الصفحة الأخرى، والذي يستطيع أن يبني الإنسان يستطيع بناء العالم».. هذه الكلمات العفوية التي نطق بها الطفل كانت حديث جلستنا في البيت المفتوح، فقد تحول الحديث إلى هموم الأمة الإسلامية التي تتطلع إلى بناء الإنسان القادر على إعادة مجدها.. نعم إن بناء الإنسان يعادل بناء العالم، لأنه، أي الإنسان، نواة أي نهضة. ولكن تبقى الإشكالية الرئيسة وهي كيفية بناء الإنسان نفسه، لأنها عملية غاية في التعقيد وتحتاج إلى أجيال لقطف ثمارها. إن ثقافتنا المعاصرة مادية تحرض فينا البحث عن الروح، عن المعنى والقيمة.. فالإنسان كمادة خاضع للإنسان كروح، لذلك فإن أي محاولة لبناء الإنسان لابد أن تبدأ بالروح، لأنها مسؤولة عن الهدف، ولأنه لا تكون الأهداف كبيرة إلا عندما تكون مرتبطة بالمعاني الروحية والقيم الإيمانية التي يؤمن بها الإنسان، لذلك فإن التوازن بين المادة والروح تشكل قيم الإنتاج التي يحث عليها ديننا الحنيف، فلا وجود لإنسان بلا عمل، ولا وجود لعمل بدون هدف، هذه القيم تشكل بيئة الإنسان وتعكس موقفه من الحياة. على أن مسألة بناء الإنسان تظل صعبة.. ولكنها مسألة أثارتها عبارة عفوية من طفل يتطلع للبناء.
د. مشاري النعيم
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة : نداء بتاريخ 20-11-2006 الساعة 03:25 PM.
|