قراءة في مقال فضيلة الشيخ سلمان العودة
"تجديد الخطاب الديني" http://www.islamtoday.net/pen/show_a...=38&artid=8105
(إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) ، و الخطاب الديني جزء من هذا الدين يشمله التجديد ، فتحت أي مسمي يكون التجديد للأجزاء الباقية ، للحياة كلها ؟ و ما الذي يضطرنا لهذا التضييق و الذي يوقعنا في حرج فنستدعي معه و في لغة غير مقنعة للكثير ممن يتعاطون مع دعاوى التجديد أن هذه الدعوة لتجديد الخطاب الديني لا تهمل التجديد للحياة كلها استناداً لشمولية الإسلام .
إن هذا الإصرار على ربط دعاوى التجديد فلا تكون إلا من خلال تجديد الخطاب الديني بما يشمل وكما أشار فضيلة الشيخ سلمان العودة في مقاله ( النشاط الإسلامي والنشاط الدعوي وعمل الجماعات الإسلامية والمؤسسات الإسلامية بشكل عام الفقهي منها والعلمي والدعوي والتربوي ) ليرسخ مع الوقت في وعي و عقلية المتلقي أن إصلاح أوجه الحياة الأخرى لا علاقة للمسلم بها و بخاصة أن الكثير من الجماعات الإسلامية و في زمن العمل الجماعي لا يتبنى مفهوم الشمولية لهذا الدين.
إن من شان هذا الارتباط أيضاً أن يضع الكثير من علامات الاستفهام أمام المسلم حيث يتسائل (ما هو هذا الخطاب الديني الذي يريد البعض تجديده وهل هو فعلا في حاجة إلى تجديد حقيقي , بحيث أن حالته الراهنة ما عادت تصلح للتعبير عن توجهاتنا الفكرية) ؟
ويبدأ في البحث عن موضع قدم له من خلال هذه الدعاوى "النخبوية" حيث لازال قطاع عريض من المسلمين يتوفر لديه نوع من الحساسية المفرطة – و بناء على قناعة تم التأسيس لها على مدى عقود طويلة من قبل بعض العلماء و الدعاة – تجاه الحديث عن مجرد خاطرة أو فكرة أو اقتراح أو مناقشة لحكم فقهي مثلاً ، و لاشك أن جزء كبير من هذه القناعة في محله "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" و لكن هناك أيضاً "بلغوا عني و لو آية" .
هذا الارتباط يحرم المشروع الإصلاحي للأمة من القابلية لاحتواء خطاب الآخر إذا صدر عن مرجعية غير إسلامية ، فحين أن هذه القابلية مؤصل لها في شرعنا ، بل و تُمنح الفرصة للتفاعل من خلال هذا المشروع الإصلاحي "الحكمة ضالة المؤمن" ، و لا يعني هذا بالضرورة تخلي الخطاب الإصلاحي عن ثوابت الشرع ، ولا يستطيع أحد أن يفرض علينا شئ إلا بتفريط منا ، و ما يُفرض علينا في أزمنة ما بالقوة و التي لا يمكن أن تنتج حقاً شرعياً تفتقده في الأصل ، لا يدوم ، و التاريخ يثبت ذلك، و الزمن لا يكون بحال عامل ضغط لاعتساف مرحلة أو القفز عليها من أجل الإصلاح .
الإصلاح و الذي كما هو مهمة الرسل و الأنبياء و ورثتهم من العلماء "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت" ، هو كذلك مهمة البشر جميعاً " يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى و أصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون"
إذن هو "تجديد الخطاب الإصلاحي" للأمة حيث ينفق كل ذي سعة من سعته و يختفي من قُدِرَ عليه رزقه .
و من هنا يمكن فهم بعض العبارات التي وردت في مقال فضيلة الشيخ (هذا العمل التجديدي ليس شأن فرد واحد، بل مجموعات تتكامل فيما بينها، وتؤدي أدواراً مختلفة وتخصصات علمية متباينة وحقول معرفية كلها تنتهي عند مصب المصدر الأصلي (الشريعة).) ، (والتجديد يعني العناية بالنظريات العامة في الإسلام مثل النظريات السياسية والاجتماعية والفقهية الفرعية والأصولية، ودعم المشاريع العلمية التي تصل تراث الأمة بهذا العصر وتضيف إليها تراكماً علمياً ومعرفياً.)
و من ثم يجدد الفقيه و المحدث و الأصولي و القاضي و المعلم و الطبيب و الفيزيائي و السياسي و الفنان و الإعلامي و الرياضي و الطالب و ربة البيت و الطفل ...الخ .
إن من شان هذا المسمى أن ينتظم من خلاله الكثير من محاولات الإصلاح أيً كانت منطلقاتها و لا يلزمنا إلا الأخذ بما يناسبنا مما يضع عنا عبء وضع شروط للتجديد مما ينسف المشروع من أصله كما يتخوف الكثير من الصالحين ، حيث لن يقبل من يختلف معنا بهذه الشروط .
و من هنا يمكن قراءة تجربة "المدونات " على شبكة الانترنت كلون من ألوان تجديد الخطاب السياسي الإصلاحي و كخطوة نحو انتقال نوع من أنواع المجتمع الافتراضي على الشبكة ليكون حياً على أرض الواقع ، و التي برز دورها أوضح ما يكون خلال انتخابات مجلس الشعب الأخيرة في مصر ، حيث يتوزع ألفي مدون مصري على شبكة الانترنت - من بين ثلاث و عشرين مليون مدون في العالم - سببوا صداعاً للحكومة المصرية حيث ثقة المواطن المصري في كاميرا المدون و صدق نقله للواقع كما سبق في أحداث العبارة المصرية و أحداث القضاء مؤخراً ، و انتقادات عدة للمسجد و الكنيسة و مراسلة شيخ الأزهر لوضع حل لخطبة الجمعة التي لا تعبر عما يريده المواطن المصري و العربي عموماً مما حدا بالمفكر المصري "هيكل" أن يعترف باهتمامه الشديد و متابعته لواحدة من المدونات تدعى "بهية" اكثر من اهتمامه بالتحليلات الصحفية لصحفيين و محللين و باحثين معروفين في بلاط الصحافة المصرية .
عكست ظاهرة المدونات مدى الجهد و الوقت و المال المبذول من قبل شباب و فتيات أغلبهم لا يمت للعمل السياسي بصلة و ليست لهم أية انتماءات تفسر مدى إخلاصهم للفكرة التي يعملون من اجلها سوى الوعي العقائدي و القومي و الإحساس الوطني ، فكسرت المدونات حاجز الخوف و أثبتت أن المشكلة ليست في الفكرة و لا في الإنسان ، إنما هي في إدراك القائمين على سدة التنفيذ في المؤسسات بشتى أنواعها و أشكالها و ضعف ثقتها فيما يمكن أن يقدمه الشباب و يؤثر في مسيرة الإصلاح في المجتمعات.
ألوان من تجديد لخطاب الديني
و الذي يعتقد الكثيرأنه من شان العلماء وحدهم أو الفاضلين من عصور الصحابة و التابعين ، لعل هذه القناعة تتغير نوعاً ما عند الوقوف على الأحداث التالية في هذا العصر الذي نعيشه و التي رواها د. صفوت حجازي بسند متصل إلى صاحب الرواية ، حيث عاش في فرنسا تاجر تركي يدعى ابراهيم و كان هناك طفل يهودي اسمه جاد و كان يبتاع دوماً ما يحتاجه هو وأهله من هذا الدكان البسيط الذي يملكه عم ابراهيم ولا ينسى جاد أن يسرق في كل مرة قطعة من الحلوى دون علم عم ابراهيم و الذي علم بالأمر و سكت .
و في إحدى المرات نسيَ جاد أن يسرق قطعة الحلوى كما اعتاد ، فناداه عم ابراهيم و قال له : يا جاد نسيت أن تأخذ ما تعودت أن تأخذه في كل مرة ، فخجل جاد من نفسه بشدة و اعتذر بحرارة لعم ابراهيم و عاهده ألا يفعل ذلك ثانية ، و من يومها توطدت الصلة بين الاثنين و أصبح جاد لا يثق إلا به و كلما واجهته مشكلة ذهب لعم ابراهيم ليتحدث إليه و يبحث معه عن حل ، فما كان من عم ابراهيم إلا انه في كل مرة يطلب من جاد إخراج كتاب معين من أحد الأدراج و يفتحه على أي صفحتين ، فيقرأهما عم ابراهيم ، و من ثم يتداول النقاش مع جاد حول مشكلته إلى أن يهتدي معه إلى الحل .
استمر الحال على هذا الوضع عدة سنوات حتى أصبح جاد شاباً يافعاً ، و مات عم ابراهيم و قبل موته وضع الكتاب الذي كان يقرأ منه لجاد في صندوق و أوصى أولاده بتسليمه لجاد بعد موته .
حزن جاد على عم ابراهيم حزناً شديداً أهمل معه تماماً شان هذا الصندوق و لم يلتفت إليه .
في إحدى الأيام واجهته مشكلة و لم يتمكن من حلها ، تذكر عم ابراهيم و حواراته الجميلة معه و تذكر الصندوق ، فتحه ، فوجد به الكتاب الذي كان عم أبراهيم يقرأ له منه دوماً قبل أن بشرع في مناقشة المشكلة معه ، و لكنه باللغة العربية ، ماذا يفعل ؟
ذهب لأحد أصدقائه من أهل تونس و مقيم معه في فرنسا ، و طلب منه أن يفتح أي صفحتين و يقرأ منهما ، ففعل الصديق ذلك ، فسأله جاد : ما هذا الكتاب ، أجاب هذا قرآن المسلمين يا جاد ، كيف حصلت عليه .
و كانت بداية حياة جديدة لجاد حين بدا رحلة البحث عن الإسلام و فكر طويلاً و من ثم اعتنق الإسلام و أسلم على يديه خمسة آلاف من أهل أوربا و أمريكا ، ثم رحل إلى السودان و بدا بالدعوة إلى الإسلام وسط القبائل الوثنية و أسلم على يديه الملايين من قبائل الزولو تحديداً .
و لما سُئِلَ عن مغزى مجيئه إلى السودان أشار إلى بعض الخطوط
المرسومة على غلاف المصحف من الداخل و التي شكلت خريطة لجنوب إفريقيا ، رسمها عم ابراهيم بيده و كتب تحتها
"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة"
رحم الله د. جاد الله القرآني كما سمى نفسه بعد إسلامه و توفى عام 2004، و رحم الله عم ابراهيم ،
أتراه جدد للخطاب الديني الإصلاحي ؟