الموضوع: الحصن المنيع !!
عرض مشاركة واحدة
قديم 17-04-2006, 11:09 PM   #1 (permalink)
أحمد بن خالد أحمد العبد القادر
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Nov 2005
الدولة: الأحساء
المشاركات: 406
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 195
شُكر 68 في 40 موضوع
أحمد بن خالد أحمد العبد القادر is on a distinguished road
افتراضي الحصن المنيع !!

بسم الله الرحمن الرحيم
الحصن المنيع !!
إن الحديث عن أولئك النفر الأخيار حديث يطيب له القلب ويفخر به المرء ويأنس له الخاطر وتتفجر في حَبْك موضوعه الوجدان وتتراص البراهين كطوفان مهيب يجوب عتبات البحر تعضيداً لما تخبر عنهم وتسليماً فيما تنقل من أخبارهم ، إنه حديث ليشدو به الطير في تحليقه ويرقص المرء له طرباً في حلاوته وتهل البركات من الأرزاق لتكريمه وكشف بعضاً من عظيمه ، إنه حديث تناقله خرير الماء في جداول الأنهار وشجنت به البلابل في صدحها السحار واصطكت به الأمواج في بحرها الزخار ، إن الحديث عنهم قد كشف بريقه آلاف من مجلدات متراصة ومؤلفات متخمة بكثير منهم ، وكان ذلك حق لهم علينا وفضل لهم بالأيدي والجهود نبذلها ؛ لنحيي مسيرة تعاقبت وحقبة قد تسارعت ولحظات قد رفلت بكثيرين منهم ، وسبحان مدبر الأكوان أن يهيئهم في كل فترة ويخلق من أي يتصدى لأية أزمة ، عمدوا في حياتهم إلى إحلال اليمن والنعم وخدمة البلاد والأمم والارتقاء بها شاهقات نحو القمم ، تحلقوا حول أقلام مغموسة في حبر أسود وبجانبها وريقات من عسيب النخل يسطر فيها حروفاً من شهد وكلمات كان مصيرها أن تعيش للأبد ، وجهتها لجميع الحقب والأزمان لكل أمد ، و تالله إن في الحديث عنهم لينتشي قلبي كطير رفرف جناحه فحلق في عالم جميل تشكلت فوقه عبارات الفضائل وسمو المكارم وجميل الرجاء ، إن الحديث عن الأعلام الأجلاء لهذه الأمة المباركة والتي تشكل علماؤها كنجوم وامضة تزخر بهم السماء ، ترشد الناس في دروب السؤال والطلب وتهديهم بإراحة من مشاكلهم دون نصب ، إنهم العلماء الأفاضل الذائدين عن حياض الدين والمسخرين حياتهم لطاعة رب العالمين ، والموقعين عن الإله المستعين والمقوضين لتعنت المجحفين ومن علقت في قلوبهم علقة البغض والحسد والظلال وغياب الرشد ، الناقلين لشرع الله المتين والحافظين له في صدورهم بقفل من الإيمان واليقين .
تنازلوا عن مرغبات حياتية وتفرغوا لمدارساتهم العلمية ، تناولوها في سنيهم الفتية وقبعوا بين أوراقها في أعمارهم الأبية وماتوا وقد حضنوها بين صدورهم الرضية ، هو همهم الذي رغبوه وسعيهم الذي سلكوه فما وخزت في صدورهم برايا النكوص والتراجع ، تناولوا من المعين النابض بإشراق الحياة ونهلوا من شهده خير الأسفار ، فتزكت نفوسهم وارتقت عقولهم وسطعت أفكارهم ، كيف لا ؟! وقد تنفست خلاياها كلمات الله العليا وسبح بين عروقها سنن النبي المصطفى واتسعت أنسجتها لأرفع كلام البشر من صحابة وتابعين وعلماء ، صرفوا قلوبهم إلى الله تعالى وأعملوا فكرهم في مرضاة مولاهم فكانت أمجاد سيرتهم تحفظ ونواصي أخبارهم تروى وتحمد ، هيأهم الله تعالى لصلاح البشرية جمعاء ولرغد الرضا للقاصي والداني ، فعقولهم تفجرت علماً وجوارحهم استماتت فعلاً روحانياً ، قد أقبلت إليهم الدنيا باسطة خيراتها وأرزاقها مدلية بأنعامها وأطيابها ، فركنت بأخمص أقدامهم وأعرضوا عنها بكامل رغباتهم ، فحفظ لهم الله صبرهم على هجران جمالها وقوتهم على تحمل الإعراض عن شهواتها ، فزكاهم بقبس من نوره الكريم بدا وضاءاً على وجههم وسحنتهم ، ودرر نفيسة تزخر بين ثنايا كلماتهم.
فهم رجال طابت نفوسهم وشخصت جباههم إلى بارئهم ولانت عرائكهم وشمخت أقوالهم وتألقت فعالهم وخلصت من رزايا الشهرة والنفوذ إلى النقاء والصفاء للخالق المعبود ، فبدوا كملائكة على الأرض تسير، سادتهم الروحانية والخشوع والاستكانة والهدوء والروية والأناة ، جَمُل مظهرهم وازدان جوهرهم .
نصبهم الله تعالى سادة للأمة يُلجأ إليهم في وقت الضيق والحرج وساعة اضمحلال الفرج ، يرجى منهم حلول المشاكل وتفتيت المعضلات وكشف غمة النوازل ، فما أن يضيق الناس بمنغصات تؤرقهم أو قضايا شائكة تقلقهم إلا وجدوا درب حلولها بين علمائهم وتبديد ظلمتها بين نور خيارهم ، وإن حكيت هذه السطور فإنما رويت جانباً من عظيم أفعالهم وجليل صنعهم .
ولتضيق على النفس رحابة الأرض ما أن يورد مسمعها استنقاص عالم والتهكم عليه والتعريض في شخصه والنيل من اسمه وعرضه ، فغاب وقارهم عن بعض المشوشين وتعملق النحل في وسط الدبابير ، وظنوا أن الحرية العمياء تفسح لهم بمناصبة العداء للعلماء ، وقد تناولوا المنظور الضيق الكائن في زاوية قاصية بعيدة ، فسبحوا في بحر سبابهم وشتمتهم والتعريض بهم والنيل من أسمائهم ، وما كانت تلك الشرذمة لتجرأ بالفصح عن ذلك إلا أنهم تصادموا معهم في بعض الآراء وخالفوهم في بعض القضايا والأحداث ، فباتوا أعداءً يجب شهر السلاح في وجوههم وفضحهم بين الملأ ، فتفشت ظاهرة ممجوجة تمخضت في عدم احترام العلماء وتقدير العلم الذي يحملونه بين نواصيهم ، فكالوهم بهجوم أهوج شرس ، وكم رجوت أن أشاهد عالماً يرد المثل بالمثل ، ففغرت الدهشة فمي وأنا أراهم على جادة الهدوء يسيرون وبالنقاش العلمي الرصين ملتزمون ، وعن الغوغائية وسفسطائية القول مجانبون ، وإن يكن الخطأ عارض في بعض تصرفاتهم وأقوالهم فلا ينسى أنهم بشر لم تحكم أفعالهم العصمة الأبية والقداسة الرافضة للأخطاء البشرية ، ويكفي حسن ظن بعلمهم أن الخطأ منهم قطرة في بحر فضلهم .

أحمد بن خالد العبد القادر / الأحساء
طالب الدراسات العليا بالمعهد العالي للقضاء ، قسم السياسة الشرعية
عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية
__________________
إنَّ أرقى المجتمعات البشرية هي التي يَشِعُّ فيها الأدب، ويعلو مناره، وينتظم به القول مع العمل، ويتآخى فيه الخيال مع الواقع، وتسير به الحقائق إلى جانب الرقائق؛ فإنَّ الطَّبْعَ البشري يأبى التمحض في منحًى واحد، ولا بُدَّ لرُقِي المجتمع من تأليف الأضداد، وتعديل الأقسام؛ حتَّى يحصل الاعتدال ..

أميـر البيان .. شكيـب أرسـلان

طـريـق النجـاح .. مسـار يبـدأ بجـرأة خطـواتـك ..

للمراسلـة / ahmed-khaled999@hotmail.com
أحمد بن خالد أحمد العبد القادر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس