.
.
.
تابع.
.
.
انتهت مدة الدرس ولم يتناول مدرس التاريخ أي قضية غير صفحة الجريدة البيضاء. وكنت في طريقي الى البهو لأخذ جرعة من الراحة و استيعاب ما حدث في الفصل المثير. وفي الطريق قابلت صاحب الأمس ليفاجأني أن معلمته علقت على القضية ذاتها. وعلمت فيما بعد أن كثيرا من الصفوف غير العلمية قد أعطت خطوة الجريدة قدرا كبيرا من الجدل و الحوار.
سرنا سويا الى البهو و لم نتصور أن نقابل حدثا فريدا آخر. كانت تجلس على طاولة كبيرة في المدخل فتاة شريفة تسمى لطيفة من أفغانستان. وكانت لطيفة هي رئيسة اتحاد الطلبة المسلمين في الجامعة وقد حجزت ركنا واسعا في مكان مميز و علقت لوحات جذابة. عندما رآها صاحبي غير من ابتسامته, فهو يتقرب الى الله بمعاداة الفتاة بعد موقف حصل قبل فترة بعد وصوله مدينتنا. وقد كان حينها يبحث عن اتحاد الطلبة المسلمين و يسأل عنه. فلما وصل مكتبهم وجد أن جمعا من النساء المحجبات يقدن العمل, وجاءت نظيفة ترحب به بصفتها رئيسة المنظمة, فلما أخبرته بذلك نزل الخبر كالصاعقة و لم يرد السلام و خرج متألما.
ولم تفلح محاولاتي باقناعه أن حجاب لطيفة يجيزه جمهور علماء المسلمين, بل هددني بالضرب ان أكملت تحريفي للدين.
و الحقيقة أن صاحبي لم تكن تنقصه أخلاق أو تربية, فقد كانت ثقافته تهمش دور المرأة و عقلها, وتصف الآراء المخالفة بما في جعبتها من انتقاص و تحقير. فلم يكن الا تحت تأثير النسق الثقافي و سيطرته.
قادتنا خطواتنا للقاء شعلة من النشاط و الحيوية تعمل مع ثلاثة من رفيقاتها دون كلل أو ملل. قابلتنا بابتسامتها المعهودة لتجيب عن تساؤلات الأعين بعد عجز الألسنة عن الحديث. كانت قد خططت منذ فترة لاقامة معرض لبيع و توزيع الكتب التي تتحدث عن سيرة سيدنا المصطفى --كما تحب أن تسميه-- صلى الله عليه و سلم يتوافق مع المولد الشريف. ولم تكن لطيفة يوما من أنصار الموالد أو أعدائه, لكن فطنتها كانت تتنبأ بمشاكسة تتوافق مع هذا الحدث بالذات. فأعدت ما استطاعت من عدة حتى تغتنم الفرصة الذهبية. طلبت مني أن أعينها في حمل بقية الكراتين و ادارة المعرض بعد ساعة, لأنها مع موعد لاختبار فصلي مهم. و بالاضافة الى ذلك حجزت القاعة الكبرى لتلقي محاضرة عنوانها "ظلموك يا حبيبي" في المساء ,امتلأت قبل بداية المحاضرة. وخرج الحضور و قد تفجرت الأركان من شدة التصفيق و الرضا.
كان صويحبي مصابا بدهشة و انبهار لم تفارقه وهو يستمع لرئيستنا العظيمة. تركنا وفي قلبه حسرة و ندم ليأخذ مقعدا بعيدا يراجع فيها حساباته و يقارن فعل لطيفة بمأساة الرجال في المسجد. ثم يتفكر في سبعين طالب سعودي و أكثر من مائة مسلم و عربي في الجامعة كانوا دائما في كفة خاسرة لا تزن شيئا في مقابل كفة لطيفة, , تلك الفتاة المسلمة التي ترعرعت في أمريكا.
.
.
.
انتهى
علي الحمدان
نبراسكا الجريحة
الاربعاء 14 ربيع الأول 1427هـ - 12 أبريل 2006م
.
.
.