عرض مشاركة واحدة
قديم 12-04-2006, 02:24 PM   #1 (permalink)
علي الحمدان
صديق ذهبي مميز
 
الصورة الرمزية علي الحمدان
 
تاريخ التسجيل: Mar 2006
الدولة: فضاء الفضائيات
المشاركات: 2,903
مزاجي:
عدد مرات شكره للأعضاء: 43
شُكر 85 في 41 موضوع
علي الحمدان is on a distinguished road
افتراضي ذكريات مغترب مع المولد النبوي

.

.
.
.
اخواني و أخواتي
هذه قصة قصيرة حدثت لي في غربتي
وتضمت حجما كبيرا من الواقعية
ولم يدخل الخيال الا في أمور هامشية جدا
أتمنى أن تصل رسائلي التي حوتها هذه المحاولة


نسأل الله أن يكتبها في موازين حسناتنا
علي الحمدان
نبراسكا الأمريكية
الاربعاء 14 ربيع الأول 1427هـ - 12 أبريل 2006م

يستضيف مسجدنا ليلة الثاني عشر من ربيع الأول ضيفا ثقيلا يصر على زيارتنا كل سنة دون أن تمنعه عوارض السفر و المرض و التعب من أداء رسالته. فكان يقطع البحار و المحيطات و الليالي الموحشة حتى يشاركنا صلاة العشاء جماعة. وليته يأتي خفية لوحده, بل كان يجر معه كثيرا من أتباعه و مريديه. وبعض هؤلاء يغيب أسابيع طويلة عن أداء صلاة الجماعة. ولكن الضيف الرمز له جاذبية توقظ كل نفس شغلتها ظروف الحياة عن أداء فرائض الدين و سننه. فكيف لا يكون من الناس بمكان و قد تولى الشيطان الرجيم تقريظ كتبه و تزكيتها وكتابة مقدماتها.

و الحقيقة أني لا أتربص مثل هذه الزيارات, و أحب أن أغيب عقلي عن ملاحقتها. فأنا أهوى المفاجآت حتى مع الأحداث الدورية لتكون المواجهة صدامية. ففلسفتي تقول أن التعرض لمثل هذه المواجهات يحفز القلم الى الابداع فيسطر مقالة أو قصة أو قطعة شعرية بسيطة تعني له الكثير.

وهذا ما حدث عند استقبال الضيف غير المنتظر, فقد هاتفت صويحبي لنذهب بسيارته لصلاة العشاء. وقد حالت الظروف و منعتني في الأيام الماضية عن صلاة الجماعة بعد أن سحبت الشرطة رخصة القيادة. فكان الشوق عارما لأداء الفريضة و لقاء الأحبة بعد فترة من الغياب. وكنت قد لاحظت أن العلاقة بين كثير من المتخاصمين قد تحسنت كثيرا في الآونة الأخيرة, فزادت عندي محفزات الذهاب و اللقاء.

ركبنا السيارة و اتجهنا للمسجد و البهجة تملأ قلوبنا, و ما ان وصلنا الى المواقف حتى حملت السعادة أمتعتها استعدادا للرحيل. وحق لها ذلك فالمشهد لا يحتمل من هوله. فالسيارات قد ملأت أرجاء المواقف, وبعض المستعجلين قد قرر أن يسد على غيره حتى لا تفوته أي لحظه يلقي فيها الشيخ الضيف بركاته.
عندما شاهدت الجموع الغفيرة انقبض صدري و استعذت بالله من الشيطان الرجيم. فارتسمت ملامح الدهشة على صويحبي حديث العهد بمدينتنا, واستغرب موقفي الذي لايدل الا على نفاق قلب مريض يكره الدين و مظاهر عزته. ولم يفهم الفتى سر تفاعلي السلبي, فأنا أعرف الناس بقومي. واجتماع بهذه السعة لا يمكن أن يكون على خير.
قال لي :"ان بعض الظن اثم"
ولم ينتبه لأهمية وجود "بعض" في سياق هذه الآية الكريمة.

دخلت المسجد و ألقيت السلام, و كانت نغمة الرد نشازا أخبرني أن وراء الأكمة ما وراءها. وكانت تنطلق من الأعين شرارة تكاد تحرق من تواجهه. كانت عيناي تطوف لتقابل ثيابا رثة تغطي أجسادهم على غير العادة. فجل من ألاحظ هم من علية القوم و أصحاب الوظائف السخية.
همست لصويحبي و حدثته بملاحظتي
فأجاب بطيبته الساذجة قائلا " يا أخي ان بعض الظن اثم".
وعلل أن بعض من يرى من الأعاجم قد لا يفهم قوله تعالى"يا أيها الذين آمنوا خذوا زينتكم عند كل مسجد" وعاتبني كثيرا على الظن السيء الذي يقودني اليوم.

دخلت المصلى و صليت ركعتين و بدأت أهيئ النفس لاستقبال المكتوبة. وفي أثناء هذا جاءني زعيم السلفين و طلب مني أن أتقدم المصلين في صلاة العشاء على غير عادته. استغربت طلبه و طلبت عيناي منه تعليلا لهذا. فقال: "ألا تعلم أن هذه ليلة المولد النبوي" ولن يقبل الآخرون المبتدعة امامة أحد من جماعتنا الأثرية الناجية في هذا اليوم بالذات.
ابتسمت رغم الحزن بعد أن اتضحت الصورة كاملة. ولكن صاحبي السلفي مكره على تقديمي, فأنا حليق و مسبل, وهذا يعني أني أجاهر بالمعاصي, و المجاهر فاسق. لكنني أفضل عنده من المبتدعة المحتفلين بالمولد على كل حال. وهذا الزعيم السلفي طالب علم يرجح الصلاة وراء الفاسق عند الضرورة, ويستخدم امام المواسم و يستخدمني اماما في مثل هذه المواسم, وهذا من فقه المخارج و الحيل.

انصرف الزعيم السلفي و جاءني زعيم المنتصرين للمولد و اقترب الى اذني
و قال" خلينا نسمع صوتك الحلو اليوم يا مولانا"
و هذا أيضا من طلبات المواسم التي تعودت عليها. فصوتي يصبح عذبا و جميلا في أيام محدودة من السنة.
ثم متى كنت شيخه و مولاه و هو الذي لم يكن يناديني انتقاصا الا بالوهابي
" جاء الوهابي"
"وذهب الوهابي"
"وأزعجنا الوهابي"
نسأل الله أن يعيد الوهابي الى أمه سالما من سهامهم

اقيمت الصلاة و تقدم الوهابي رغم أنه أصغر الحاضرين وهو قلق من العواقب. كان يريد أن تمر الليلة على خير و أن يوفق بين القوم و يرضيهم. رفعت البنطال عن الكعبين و تمذهبت على رسالة الألباني "صفة صلاة النبي كأنك تراها", فنزلت باليدين قبل الركبتين أثناء السجود و رفعت اليدين بعد الركوع للأعلى حتى كادت أن تستقيم, لسان حالي ينادي زعيم السلفيين ليرى ما أفعل ,حتى يطمئن في صلاته ,و تسكن النار المهيأة لاحراق الآخرين بعد الصلاة. ولكن العتب على اخلاص لم يكن نقيا بما فيه الكفاية ليغير أحداثا بهذا المستوى.
ولم تساعدني أدواتي الفقهية المحدودة على الاختيارات الصحيحة دائما. وكنت أثناء الصلاة أحاول تطبيق ماقرره الألباني رحمه الله في رسالته. ولم يتناول الشيخ غفر الله له صفة الصلاة في هذه المناسبة بالذات. ولم أنتبه لهذه النقطة الجزئية الحساسة, فألزمني الشيخ رحمه الله بالتسليم مباشرة بعد أدعية مأثورة يسيرة تلي التشهد الأخير. ولو كانت بضاعتي في الفقه جيدة لأطلت الدعاء حتى منتصف الليل لأخمد نشاطا موظفا لخدمة الصراع المحتوم القادم: ضيف ليلتنا الثقيل.

المهم أنني لم أكن فقيها, فسلمت مباشرة. ولم آخذ فرصتي في الاستدارة حتى قام الزعيم السلفي و معه بضعة أوراق يريد قراءتها.
قلت له مازحا "اصبر قليلا يا أخي, أنا لم أستدر بعد"
فقطع حديثي بصوت لا يخلو من حدة: " ان المداومة على الاستدارة و مقابلة المصلين من البدع, ويمكن أن تكون مغلظة لارتباطها بعماد الدين"
كان منطق الرجل سيجعلني مجاهرا بالبدعة و هو ما سيعيد تشكيل العلاقة بيني و بينه كما يفعل دائما في مراجعاته. لكن هذا المنطق لم يجد أرضية تساعده للوصول الى النتيجة الخطيرة. فالرجل لم يأت لنقاش هذا, بل كان مهيأ للاحتفاء بالضيف الثقيل,
و للصغار و عبثهم و تمييعهم وقت آخر كما نطقت رسائل عينيه.
رجع الرجل الى حديثه عن بدعية المولد, مبينا أن ضعف المسلمين اليوم يرجع كله لهذه البدعة الدخيلة.
و كبر أنصار السلفي, و خفت أن يتعدى ذلك الى التصفير و التصفيق. لكن سلفيتهم تمنعهم من هذه التجاوزات و لله الحمد.
وفي أثناء ذلك وقف زعيم المولد و بدأ بالصراخ و قطع الحديث, فالتحريم --من وجهة نظره-- ليس على اطلاقه, فهناك من علماء السنة من يفتي بجوازه وفق ضوابط محددة.
و احتدت المواجهة و عمت الفوضى و بدأنا نسمع تراشق الكلمات الدنيئة بكل اللغات. ولم يسلم العلماء -- أحياء و أمواتا -- من أخذ نصيبهم من السب و الأذى. وكان من فضل الله --لحكمة يراها -- أن كان المصلى في الطابق العلوي و الأحذية في الطابق السفلي. ولم يكن الذين اشتروا المسجد يدركون كمال توفيقهم الا في هذه السنوات الأخيرة التي تعرف فيها الضيف و أعوانه على مسجدنا البسيط.
وكالعادة تمر ساعات و ساعات من هذه المواجهات دون نتيجة ايجابية.
وكلا الطرفين هم من أهل السنة الذين يجمعهم أكثر مما يفرقهم. فالتوحيد عندهم فيه نقاء يرفض القبورية و كل أصناف الشركيات. لكن ضيفنا أعمى البصائر و القلوب و شتت الجمع لينام كل واحد منهم و فيه قلبه حقد و كره كبير لأخيه المسلم.
و المضحك المبكي أن أتباع زعيم المولد لم يحتفلوا به قط في السابق. فمثل هذا الموقف يشغلهم كل سنة عن ممارسة ما يريدون .و يأخذ من وقتهم الكثير حتى يتركهم مع ساعات يسيرة يؤثرون النوم فيها قبل تجلدهم سياط الدوام و العمل التي تفرض النشاط و الانضباط.

أوصلني صاحبي لمنزلي, ولم أرغب مباشرة الفراش من شدة الحزن. جلست على مكتبتي الصغيرة أحاول تسجيل رسالة أضعها في الموقع الالكتروني للمركز الاسلامي. لكن حالتي لم تشفع لي, وقررت الذهاب الى الفراش بعد أن ملأت سلة القمامة بأوراق ممزقة تعبر عن محاولات فاشلة.

استيقظت متأخرا في الصباح, وجهزت حقيبتي بسرعة لألحق بالحصة الأولى لمادة التاريخ. وبسبب هذا لم أمارس عادتي في قراءة الصحف و متابعة الأخبار في المقهى القريب من الجامعة. أخذت الجريدة على عجل و التحقت بالصف متأخرا. كان الطلاب قد تحلقوا حول معلمهم وهو يمارس ثرثرته المعهودة. وكان النعاس يغلبني فزهدت بما يقول و قررت الاستناد الى زاوية بعيدة لأغطي نفسي بالجريدة و أنشغل بأحلامي.

حينما دخلت الفصل كان الأستاذ يمسك صفحة من جريدة يغطيها البياض. و كان تفاعل الطلبة و اهتمامهم غير مألوف في مثل هذه الصفوف الصباحية. حتى صويحبي الأمريكي الذي يشاركني النوم عادة في الركن الآخر ,و تعود الطلبة على نغمات شخيره, قد التحق بالحلقة.

وبينما أنا أتشاكس مع أحلامي أيقظنتي أصوات تردد عبارة "محمد""محمد""محمد". أنزلت الجريدة و حفاظا على أحلامي من الطيران فتحت عينا واحدة لتكون الأخرى نائمة. واذا بالفتى يجد أن الحلقة تتحدث عن نبيه محمد و أن النقاش قد احتد حول صفحة الجريدة البيضاء التي يحملها المعلم.
فزعت من مكاني و قلبت الجريدة لأجد الصفحة البيضاء أمامي فينكشف المستور. فالجريدة قد كتبت في خط صغير أسفل الصفحة البيضاء أنها كانت تنوي الحديث عن النبي محمد في ذكرى مولده بعد أن كان قضية عالمية خلال الأشهر الماضية. ولكن سياسة الجريدة --كما ذكروا-- ترفض الاستبداد في الطرح الذي يمنع الرأي الآخر و يرفض الرسم الكاريكاتوري لأحداث الساعة, فقررت أن تجعل الصفحة بيضاء تخصصها للحدث و يتولى كل قارئ كتابة رأيه كما يريد دون أن تتحمل الجريدة عواقب قد تصل الى التطرف.

طبعا ذهبت لحلقتهم و شاركت بما تجود به قدراتي البسيطة دفاعا عن النبي صلى الله عليه و سلم. وحمدت ربي أن زعيم السلفيين لم يكن معي لينهرني عن المشاركة. فالدفاع هنا مرتبط بذكرى المولد و هذا فيه شبهة كبيرة حتى وان كان أصل العمل مشروع.
.
.
.
يتبع
.
.

التعديل الأخير تم بواسطة : علي الحمدان بتاريخ 12-04-2006 الساعة 02:56 PM. السبب: ??
علي الحمدان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس